هنري بريسون مصور فرنسي غير تاريخ التصوير الفوتوغرافي
مجلة إيليت فوتو آرت _ سهيلة إسماعيل :
يعتبر المصور الفوتوغرافي الفرنسي هنري كارتييه بريسون ( 1908_ 2004) من أهم المصورين في القرن العشرين، وشخصية محورية في تطور التصوير الصحفي وتصوير الشارع، فهو لم يكن مصورا عاديا بل كان فناناً يرى الجمال والمعنى في لحظات الحياة العابرة.
اشتهر بريسون بقدرته على التقاط لحظة استثنائية في جزء من الثانية، وأصبح أسلوبه مصدر إلهام لأجيال متعاقبة من المصورين حول العالم. وقد ساهم في تأسيس وكالة ماغنوم للصور عام ١٩٤٧.
بدأ اهتمام بريسون بالفن من خلال الرسم على يد الفنان أندريه لوت، لكنه اكتشف تدريجياً أن الكاميرا تمنحه وسيلة مختلفة للتعبير عن رؤيته للعالم، وفي أوائل ثلاثينيات القرن العشرين اتجه إلى التصوير الفوتوغرافي بصورة جدية.
_ بريسون واللحظة الحاسمة _
ارتبط اسم بريسون بمفهوم اللحظة الحاسمة، لأنه كان يؤمن بأن الصورة العظيمة لا تعتمد على قدرة المصور على اكتشاف اللحظة التي تتلاقى فيها الحركة والتكوين والمعنى.
تخيل أنك تقف في احد شوارع باريس، وتشاهد رجلاً يقفز فوق بركة ماء. في الخلفية ينعكس المبنى على سطح الماء، وفي اللحظة نفسها تصبح حركة الرجل وانعكاسه في الماء متناغمين بصورة مثالية.
فإذا التقطت الصورة قبل القفزة أو بعدها، فقد تفقد المشهد تأثيره، لكن إذا ضغطت على زر الكاميرا في اللحظة المناسبة، فقد تحصل على صورة استثنائية.
هذه هي الفكرة الأساسية وراء اللحظة الحاسمة : أن ترى اللحظة المناسبة وتلتقطها قبل أن تختفي. وقد ارتبط هذا المفهوم بكتابه الشهير ” صور في اللحظة الحاسمة” ونشر عام ١٩٥٢.
حيث ركز بريسون فيه على عدة عناصر لتكون الصورة استثنائية ومنها التوقيت المناسب، والتكوين المتوازن، العفوية في التقاط المشهد، ومراقبة الحياة اليومية وما فيها من جماليات كثيرة، وأخيراً البساطة؛ أي التعبير عن فكرة قوية من خلال صورة لا تحتاج إلى مؤثرات كثيرة.
لقد جمع بريسون بين هذه العناصر ليجعل الصورة توثيقا للحظة تاريخية أو إنسانية، وفي الوقت ذاته عملا فنياً.
_ صور فوتوغرافية مهمة _
تظهر أعمال بريسون كيف تمكن من تحويل المشاهد اليومية إلى صور ذات قيمة فنية وتاريخية. ومن أهم صوره الخالدة، صورة خلف محطة سان لازار في باريس عام ١٩٣٢. وهي من أشهر أعماله على الإطلاق، وتعتبر مثالاً بارزاً لمفهوم اللحظة الحاسمة.
تظهر الصورة رجلا يقفز فوق مياه خلف محطة قطارات في باريس بينما ينعكس المشهد على سطح الماء.
وما جعلها مميزة هو اجتماع عدة عناصر في لحظة واحدة: حركة الرجل في الهواء، وانعكاسه على سطح الماء، التوازن بين العناصر داخل الإطار، الإحساس بأن الحركة ستكتمل بعد جزء من الثانية.
أما الصورة الثانية فهي عن الحياة اليومية في شوارع باريس، إذ كان بريسون بارعا في التقاط صور الأشخاص في أثناء ممارسة حياتهم اليومية، فاهتم بالمشاة، العمال، الأطفال، المقاهي، الحدائق و التفاعلات الإنسانية العابرة .
لم يكن بريسون يبحث عن مشاهد كبيرة أو أحداث استثنائية، بل كان قادراً على اكتشاف مشهد لافت في موقف عادي لا ينتبه إليه معظم الناس. واشتهر بريسون بالتقاط صور لشخصيات بارزة في الأدب والفن ومن بينهم ألبير كامو، جان بول سارتر، هنري ماتيس ، بابلوبيكاسو وغيرهم.
ومن المثير للاهتمام أن بريسون كان يستخدم كاميرا صغيرة الحجم من طراز لايكا. ما ساعده على التحرك بسهولة والتقاط اللحظات العفوية دون لفت الانتباه. ومع ذلك، لا يمكن أن نقول أن سر نجاحه اعتمد على الكاميرا فقط، بل كانت قدرته على الرؤية والتوقيت والتكوين.






