المصور السوري،هرير سركيسيان من استوديو والده في دمشق إلى مقابر الذاكرة البصرية.

هرير سركيسيان من استوديو والده في دمشق إلى مقابر الذاكرة البصرية

الجذور- استوديو “لون الحلم” وطفولة بين الأفلام
هرير سركيسيان مصور سوري-أرمني من مواليد دمشق عام 1973. نشأ في استوديو والده الفوتوغرافي “لون الحلم” (Dream Color)، الذي أسسه والده عام 1979 كأول مختبر لتطوير وطباعة الأفلام الملونة في سوريا . كان والده مصوراً مستقلاً يعمل في تصوير الأعراس والبورتريهات، وفي هذا المكان ترعرع سركيسيان وتعلم أساسيات التصوير الفوتوغرافي كبير الحجم .
يقول سركيسيان عن هذا الاستوديو: “في هذا المحل كبرت. كانت هذه جامعتي” . عمل فيه بدوام كامل لمدة اثنتي عشرة سنة بعد تخرجه من المدرسة، قبل أن يسافر إلى هولندا ويكمل دراسة البكالوريا في التصوير الفوتوغرافي من أكاديمية Gerrit Rietveld بأمستردام عام 2010 . يعيش ويعمل في لندن منذ 2011 .
ينحدر سركيسيان من عائلة أرمنية ناجية من المذبحة الارمنية عام 1915. جده الذي لم يلتقِ به قط كان من قرية “خانتسوريك” (تعني “التفاحة الصغيرة”) في منطقة ساسون، التي تقع اليوم في تركيا. كانت صورة للمنطقة تعود إلى عام 1923 معلقة دائماً في منزل العائلة، كأداة لإبقاء الحكاية حية للأجيال القادمة .
التصوير كأداة لمواجهة الذاكرة
يستخدم سركيسيان التصوير كوسيلة لاستجلاء السرديات غير المرئية، وتحديداً تلك المرتبطة بالصدمة والفقد والذاكرة الجمعية . يُوصف بأنه “عالم آثار وراوي قصص في آن واحد”، يستخدم تقنياته الفوتوغرافية لاستكشاف المناظر الطبيعية المحمّلة بالصدمات التاريخية والتواريخ غير المسجلة .
من السمات المميزة لمنهجه: الغياب المتعمد للبشر في معظم أعماله. هذا الاختيار الاستراتيجي يجبر المشاهد على مواجهة ما هو غير مرئي، وغير منطوق، وقوة تفسيره الخاصة .
يقول عن منهجه: “أستخدم التصوير الفوتوغرافي كوسيلة لرواية القصص التي لا تظهر على السطح مباشرة. التصوير أداتي للبحث عن الأجوبة المتعلقة بذكرياتي الخاصة وخلفيّتي” .

“ساحات الإعدام”: الصدمة التي لا تُمحى

في عام 2008، أنجز سركيسيان سلسلة “ساحات الإعدام” (Execution Squares)، وهي أربع عشرة صورة كبيرة الحجم لساحات عامة في دمشق وحلب واللاذقية، حيث كانت تُنفَّذ أحكام الإعدام علناً .
القصة تعود إلى طفولته. كان عمره اثنتي عشرة سنة حين خرج صباحاً في طريقه إلى المدرسة، فرأى ثلاث جثث معلقة في ساحة عامة قريبة من محل والده. يقول: “كانت عيونهم مفتوحة. رأيتهم لثانية واحدة، وهذه الصورة لم تفارق ذاكرتي أبداً” .
عندما صور هذه الساحات، اختار الفجر — نفس التوقيت الذي كانت تُنفَّذ فيه الإعدامات. صورها فارغة، هادئة، بجمال خادع، وكأنه يحاول إقناع نفسه أن الجثث لم تكن هناك. لكنه يعترف: “لم ينجح الأمر. ما زلت أرى تلك الجثث في هذه الساحات” .
المفارقة في هذه الصور هي التناقض الهش بين جمال وسكينة المكان العام، والواقع السياسي والاجتماعي الذي تخفيه . وقد اقتنت متاحف  تيت مودرن ومتحف موريامي في طوكيو ومؤسسة الشارقة للفنون هذه السلسلة .

“آخر ظهور”- توثيق الغياب في خمس دول

في مشروعه “شوهد آخر مرة” (Last Seen,  ٢٠١٨ــ٢٠٢١) ,بتكليف من مؤسسة الشارقة للفنون، واجه سركيسيان شكلاً آخر من الفقد: الفقد الغامض الذي يحدث عندما يختفي الأشخاص أثناء الحروب أو الاضطرابات المدنية. بدون دليل واضح يثبت الوفاة، يبقى من تخلّفوا عنهم عاجزين عن الحداد، متمسكين بفرصة عودة أحبائهم المفقودين .
بحث سركيسيان في لبنان والبرازيل والأرجنتين وكوسوفو والبوسنة، والتقى بعائلات أشخاص اختفوا لأسباب سياسية أو بسبب النزاع . طلب من كل عائلة أن تصفه المكان الذي شوهد فيه حبيبهم المفقود آخر مرة، وصوّره في تلك اللحظة بالتحديد .
النتيجة كانت خمسين صورة تحوّل الممرات والسلالم وغرف النوم إلى “مقابر حية”. كل إطار محفور عليه اسم الشخص المفقود وسنة اختفائه . يقول سركيسيان: “لا أستطيع حتى أن أبدأ بوصف القصص التي سمعتها عن كيف اختُطفت العائلات أو عُذّبت في نفس المكان الذي ما زالوا يعيشون فيه حتى اليوم. إنه حقاً يفوق الخيال أن يرتكب البشر مثل هذه الأفعال” .
“الماضي المسروق”: مقبرة من الليثوفان
في مشروعه الأحدث “الماضي المسروق” (Stolen Past, 2025)، يواجه سركيسيان جريمة أخرى: نهب وتدمير متحف الرقة على يد تنظيم داعش بين 2013 و2017. من أصل 8000 قطعة أثرية كانت في المتحف، لم يتبقَّ سوى 880 قطعة معروفة .
استخدم سركيسيان تقنية “الليثوفان” — تقنية تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر تُظهر الصورة عند إضاءتها من الخلف — لطباعة صور ثلاثية الأبعاد للقطع المنهوبة أو المدمرة، بناءً على صور التقطها فريق المتحف بهواتفهم أثناء سيطرة التنظيم .
التركيب، المكون من 48 قطعة مرتبة كشواهد قبور، يُوصف بأنه “مقبرة” و”نصب تذكاري” في الوقت نفسه. يقول سركيسيان إن هذا العمل يسلط الضوء على الطرق التي يمكن بها جعل الغياب مرئياً، بينما يستكشف بشكل أوسع أشكال الذاكرة التي تنبثق داخل المجتمعات التي شكّلها العنف .
ما يميزه
سركيسيان لا يصور الحدث، بل يصور الأثر. لا يصور الجثة، بل الساحة التي عُلقت فيها. لا يصور الضحية، بل المكان الذي شوهدت فيه آخر مرة. لا يصور القطعة الأثرية، بل طيفها.
وهو يُعتبر اليوم واحداً من أبرز المصورين  في جيله… . رُشّح لجائزة مؤسسة دويتشه بورس للتصوير الفوتوغرافي عام 2024 عن معرضه “الوجه الآخر للصمت” . عُرضت أعماله في تيت مودرن، ومتحف الشارقة، ومتحف موريامي في طوكيو، ومتحف الحرب الإمبراطوري في لندن، وبينالي البندقية (حيث حاز الجناح الأرمني الأسد الذهبي عام 2015)، ومتحف الفن الحديث في فورت وورث، وغيرها .
حصل على جائزة مجموعة أبراج العالمية عام 2013 . وفي عام 2021، نظّمت مؤسسة الشارقة للفنون أول معرض استقصائي لأعماله بعنوان “الوجه الآخر للصمت”، ضمّ أعمالاً أنتجها خلال 15 سنة .

—سمر محفوض.

#خاص مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم