مسرح شير أو ربي كبيرهناك لحظة… لحظة صغيرة جدًا… يقف فيها الإنسان أمام باب المسرح، فيشعر أنه يقف أمام معبد.المسرح ليس بناية، ولا خشبة، ولا ستارة حمراء تُفتح وتُغلق. المسرح هو ذلك المكان السري الذي يلتقي فيه الإنسان بنفسه… عارياً من الكذب.لكن ما حدث لي مؤخرًا كان أشبه بدخول معبد… لأكتشف أنه تحوّل إلى مقهى رخيص.لم تطأ قدمي عتبة المسرح منذ بدأ الانهيار. كنت أفضل الاحتفاظ بذكرياتي القديمة، حين كان الممثل يدخل الخشبة كما يدخل محارب ساحة المعركة. حين كان الصمت نفسه يؤدي دورًا. حين كانت كلمة واحدة قد تجعل الجمهور يعود إلى بيته وهو يشعر أن شيئًا ما تغيّر داخله.ثم جاء صديق… صديق لحوح، عنيد، يعتقد أن المسرح ما زال حيًا.قال لي: تعال، هناك عروض فازت بجوائز.جوائز!الكلمة نفسها كانت كافية لإثارة فضولي… أو ربما لإثارة شكوكي.دخلنا القاعة.وبعد دقائق قليلة، أدركت أننا لم ندخل عرضًا مسرحيًا…بل دخلنا نكتة طويلة، سيئة الإخراج والتمثيل.الموضوع؟ جريء، ربما…لكن الفن… آه، الفن!الممثل يتحدث بلا إحساس، يتحرك بلا معنى، ويترك النص ينهار أمام عينيك. وأين النص؟!كأن الجمل تتخبط في الهواء بلا اتجاه، وتتمسك بأي كلمات سوقية أو ابتذال، قد يتحوّل فجأة إلى غناء صاخب، مع موسيقى خبط ورزع تقتل الروح وتصم الأذان، فتجلس عاجزًا عن تصديق ما تشاهده.المخرج؟كأنه رجل مكتب أعطوه خشبة، قرر أن يراقب سقوط الكلمات في الفراغ، بلا إيقاع، بلا رؤية، بلا ثورة.رجل يحتاج أولاً إلى تعلم أبجديات الحياة: أن يسمع الماء كيف يتدفق من الصنبور، أن يعرف كيف يرتدي ملابسه بشكل صحيح، مع ترتيب الألوان وتنسيقها بلا خطأ، قبل أن يفكر في تعلم فن الإخراج الذي يجهله جهلاً تامًا.النص؟حتى لو إدعى أنه جريئ، يصبح مجرد خريطة بلا طريق، لأن من يؤديه لا يعرف كيف يجعل الكلام يشتعل، ولا كيف يجعل الجمهور يشعر، بل ينسى نفسه كثيرا وينزلق إلى حشو ولغو وتعبيرات رخيصة من بقايا سوق البالي.المأساة ليست في الجرأة، ليست في الموضوع…المأساة هي أن الضعف الفني يقتل كل شيء.كل شيء يتحطم: التمثيل، الإخراج، الإحساس… الجرأة تتحطم على صخرة الضعف، فتصير جرأة مبتذلة كأفلام الإباحة الرديئة، فتجلس هناك، متأملًا، وأنت تعرف أن كل هذا الهراء لن يترك أثرًا سوى إحساس مُر بالخذلان.المسرح يتحول إلى صندوق خشبي فارغ، تحاول أن تضيف إليه موضوعًا رائعًا…لكنك حين تشاهد، تدرك أن الكلمة بلا فن لا تستطيع أن تعيش، والموضوع بلا إخراج لا يستطيع أن يشتعل.والمخيف أن هذا الضعف لا يخجل من نفسه…يعيش في وضح النهار، يرتدي بدلة أنيقة، ويحمل في جيبه جائزة أفضل عرض.أما المسرح… ذلك الكائن المجنون الجميل…يقف في زاوية القاعة… يراقب ما يحدث… ويضحك.لكنها ضحكة سوداء، طويلة، قاتمة…ضحكة شخص يعرف أن الكارثة حقيقية… وأن الجميع يتصرف وكأنها تحفة فنية رائعة.أما عن التحفة الفنية المزيفة…آه، أي مؤامرة هذه! كلهم يتآمرون بابتسامات صفراء، ليقنعوا الشباب الساذج، الذي لم تطأ عينه خشبة المسرح من قبل، أن هذه العروض “رائعة”، وأنها فازت بجوائز عربية.نحن جيل كبرنا، عايشنا المسرح قبل أن يتحوّل إلى حلبة للمظاهر، ونعرف أن العرب ليس لهم في المسرح سوى الضحك على أنفسهم.واليوم؟ أصبحنا جزءًا من هذه النكتة التي تُقدّم على الخشبة، نفتخر بجوائز تُعطى بلا معنى، لتملق أصحاب البترول، ولنعطيهم بعضًا من فتيات يعشقن التعري فوق الخشبة، كأن الجرأة نفسها تحوّلت إلى سلعة رخيصة.فهنئًا لكم بالجائزة… فالمسرح يبتلع كل شيء، يضحك في وجهنا، ويتركنا نتلذذ بالمرارة، نتأمل هذه التحفة التي لا قيمة لها إلا في عيون من قرروا أن يصفقوا لها.


