المزة حي سكني بدمشق يمزج بين العراقة والحداثة.

المِزَّة حين تصعد القرية إلى كتف المدينةعلى السفح الجنوبي الغربي من دمشق، حيث يلامس الجبل زرقة السماء وتنسدل المدينة ككتابٍ مفتوح، تقف المِزَّة بوصفها أكثر من حيٍّ سكني؛ إنها طبقةٌ جيولوجية من الذاكرة، ارتفعت ببطء من قريةٍ في غوطة دمشق الغربية إلى شرفةٍ حضرية تطل على حاضر العاصمة وماضيها معاً.كانت المِزَّة في الأصل قريةً من قرى الغوطة، محاطة بالبساتين وممرات الماء، قبل أن تتمدّد إليها الطرق الحديثة وتشدّها إلى جسد المدينة. ومع الزمن، لم تعد حدودها تُقرأ بالتراب والزيتون، بل بالإسفلت العريض والأبنية المتصاعدة، وبأسماء الشوارع التي تقطعها أفقياً كأنها أسطرٌ في رواية طويلة.يحمل اسم “المِزَّة” أكثر من ظلٍّ لغوي. تُرجعه بعض الروايات إلى أصلٍ يوناني بمعنى “الرابية”، في إشارةٍ إلى ارتفاعها النسبي عن مستوى دمشق القديمة؛ وهو ارتفاعٌ يلمسه القادم من ساحة الأمويين صعوداً نحو أوتوستراد المزة، حيث تبدو المدينة كأنها تنخفض لتمنح السفح امتياز الإشراف.روايةٌ أخرى تعيده إلى الآرامية من لفظة “مزونا”، أي الغلال والمؤونة، في دلالةٍ على خصوبة الأرض ووفرة الإنتاج الزراعي الذي عُرفت به القرية.أما الحكاية الشعبية فتذهب إلى طعم الصبّار الحلو (التين الشوكي) الذي اشتهرت به بساتينها، إذ كان المارة يتذوقونه ويقولون: “مِزّة”… أي طيب المذاق. وهكذا يصبح الاسم خلاصة ارتفاعٍ جغرافي، ووفرةٍ زراعية، ونكهةٍ يوميةٍ عابرة.تعود جذور المزة إلى العهد الروماني، وقد عُثر فيها على نقشٍ يوناني يحدد أرض القرية، كأن الحجر نفسه أراد أن يوثّق انتماءها إلى الجغرافيا. وبعد الفتح الإسلامي سكنتها قبائل بني كلب، فعُرفت زمناً بـ“مزة كلب”. وذكرها الرحالة ابن بطوطة وابن جبير بوصفها من أعظم قرى دمشق وأحسنها، في زمنٍ كانت فيه القرية مرآة الغوطة وامتدادها الطبيعي.في القرن العشرين، تغيّر الإيقاع. أقام الفرنسيون مطار المزة العسكري، الذي ظلّ البوابة الجوية الرئيسية للعاصمة حتى افتتاح مطار دمشق الدولي. وعلى قمة الجبل شُيّد قصر الشعب، كعلامةٍ سياسيةٍ تعلو فوق تضاريس المكان. بين المطار والقصر، تحوّلت المزة إلى مساحةٍ استراتيجية، تتقاطع فيها الإدارة والسلطة والتعليم.مع ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تمدّد البناء واتصلت المزة نهائياً بدمشق. شُقّ أوتوستراد المزة، وظهرت أحياء الفيلات الشرقية والغربية، وتكاثرت المشاريع السكنية. احتضنت المنطقة كلياتٍ تتبع جامعة دمشق، ومقار وزارات وسفارات، ومشافي كبرى، لتتحول إلى عقدةٍ إدارية وتعليمية وصحية في آنٍ واحد.ورغم هذا الامتداد الحديث، ما تزال المزة تحمل طبقاتها الاجتماعية المتنوعة؛ من الأحياء الشعبية ذات الكثافة السكانية العالية إلى المناطق الراقية الممتدة على طول الطريق السريع. إنها مساحة تلتقي فيها لهجات المحافظات، وتتشابك فيها الحكايات كما تتشابك الشوارع. تُعدّ المزة اليوم من أحدث مناطق دمشق وأكثرها تكلفةً وحيوية. لكنها، في جوهرها، ليست مجرد عقاراتٍ مرتفعة أو شوارع واسعة؛ إنها تحوّلٌ مكتمل الدائرة: قريةٌ صعدت إلى كتف المدينة، واحتفظت باسمٍ يحمل معنى العلوّ والخصب والمذاق معاً. المِزَّة في صورتها السريالية رابيةٌ تُطلّ، ومؤونةٌ تُخزّن الذاكرة، ونكهةٌ قديمةٌ ما تزال عالقةً في هواء السفح، كلما مرّ عابرٌ وقال، دون أن يدري، إن للمكان… مِزّة………………………… الصورة : قديمة لمنطقة المزة #سوريات_Souriat# مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم