بقلم د.نادي شلقامي
تُعدّ التقلبات المزاجية (Mood Swings) ظاهرة شائعة بين البشر، ولكنها غالباً ما ترتبط بالمرأة بشكل خاص بسبب الطبيعة البيولوجية المعقدة لجسدها ونظامها الهرموني.
“المرأة المزاجية” هي مصطلح يُطلق على السيدة التي تعاني من تذبذب سريع ومفاجئ وغير متوقع في حالتها العاطفية، حيث تتأرجح مشاعرها بين الفرح الغامر والغضب الشديد، أو الحزن المفاجئ والهدوء غير المبرر في فترات زمنية قصيرة.
هذه التقلبات، عندما تكون حادة ومستمرة، لا تؤثر فقط على المرأة نفسها، بل تُشكّل تحدياً كبيراً لعلاقاتها الأسرية والاجتماعية، وخاصة علاقتها بشريك حياتها. إن فهم ماهية هذه الحالة، واستكشاف أسبابها النفسية والجسدية، والتعرف على سبل علاجها، هو الخطوة الأولى نحو التعايش السليم وتحقيق الاستقرار العاطفي والأسري.
أولا… ما هي الزوجة أو المرأة المزاجية؟
في علم النفس، تُعرّف الشخصية المزاجية (أو المتقلبة المزاج) بأنها نمط سلوكي يتميز بالتفاعل العاطفي المفرط وغير المتناسب مع محفزات بسيطة أو حتى غيابها. هي شخصية تعيش في “دوامة من المشاعر المتضاربة”، مما يجعل التنبؤ بردود أفعالها أمراً صعباً جداً على المحيطين بها. لا يُقصد بالشخصية المزاجية دائماً وجود مرض نفسي، بل قد تكون انعكاساً لضغوط حياتية أو تغيرات هرمونية، لكنها قد تكون أيضاً عرضاً لاضطرابات أعمق.
ثانيا… أعراض وعلامات الشخصية المزاجية
تظهر المزاجية عبر مجموعة من العلامات السلوكية والعاطفية، أبرزها:
1- الاندفاع العاطفي: الانتقال السريع من حالة الهدوء والسعادة إلى حالة الانفعال أو البكاء أو الغضب الشديد في غضون دقائق.
2- الحساسية المفرطة: التأثر الشديد بالنقد أو التعليقات العابرة، وتفسيرها غالباً على أنها هجوم شخصي أو إهانة.
3-الانسحاب والعزلة: الرغبة المفاجئة في الابتعاد عن الآخرين وطلب مساحة شخصية دون سابق إنذار أو تفسير.
4- سرعة الندم: بعد نوبة الغضب أو الانفعال، غالباً ما تشعر بالندم وتعتذر بشكل سريع وعميق، ما يؤكد عدم سيطرتها الكاملة على رد فعلها الأولي.
5- صعوبة التركيز: تأثير تقلب المزاج على الوظائف الإدراكية، مما يجعلها تجد صعوبة في اتخاذ القرارات أو إنجاز المهام.
6- التعبير الجسدي: قد تظهر الأعراض جسدياً مثل الصداع، أو الإرهاق الشديد، أو آلام في البطن، خاصة إذا كان السبب هرمونياً.
ثالثا…. الأسباب النفسية للتقلبات المزاجية
تنبع التقلبات المزاجية في كثير من الحالات من خلفيات نفسية وعاطفية تتطلب الوعي والتعامل المتخصص:
1- التعرض للإجهاد والتوتر المزمن (Stress & Burnout): الضغوط اليومية، سواء في العمل أو المسؤوليات المنزلية أو التحديات المالية، تؤدي إلى استنزاف المخزون العاطفي، وتجعل المرأة أكثر عرضة للانفجار العاطفي.
2- الصدمات السابقة: الخبرات المؤلمة غير المعالجة (سواء في الطفولة أو مراحل لاحقة) قد تجعل الجهاز العاطفي في حالة تأهب دائم، حيث تُثار المشاعر بسرعة استجابة لأي محفز يُذكرها بالصدمة.
3- مشاكل في العلاقة الزوجية: الشعور بعدم التقدير، أو عدم تلبية الاحتياجات العاطفية، أو سوء التواصل مع الشريك، قد يتجلى في صورة تقلبات مزاجية كوسيلة غير واعية للتعبير عن الألم.
4- اضطرابات الشخصية أو المزاج: بعض الحالات السريرية تتضمن تقلبات مزاجية كعرض أساسي، مثل:
4-1- اضطراب ثنائي القطب (Bipolar Disorder): تذبذب حاد بين نوبات الهوس (النشاط المفرط والبهجة غير الطبيعية) ونوبات الاكتئاب (الحزن العميق وفقدان الاهتمام).
4-2- اضطراب الشخصية الحدية (Borderline Personality Disorder – BPD): عدم استقرار شديد في العلاقات والصورة الذاتية والمزاج، مع اندفاعية عالية.
4-3- الاكتئاب أو القلق المزمن: حيث يترافق القلق الشديد أو الاكتئاب بحالات من العصبية المفرطة والتهيج.
رابعا… الأسباب المرضية والهرمونية (المرضية)
تلعب التغيرات البيولوجية والهرمونية دوراً محورياً في تقلب مزاج المرأة، وتُعد سبباً رئيسياً لزيادة شيوع هذه الظاهرة لدى الإناث:
1- متلازمة ما قبل الحيض (PMS) واضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي (PMDD):
2- يحدث انخفاض حاد في هرموني الإستروجين والبروجستيرون في الفترة التي تسبق الدورة الشهرية مباشرة، مما يؤثر على النواقل العصبية مثل السيروتونين (هرمون السعادة)، ويؤدي إلى أعراض عاطفية وجسدية شديدة.
3- الحمل وفترة ما بعد الولادة: التغيرات الهرمونية الهائلة أثناء الحمل، والانخفاض المفاجئ للهرمونات بعد الولادة، قد يؤدي إلى اكتئاب ما بعد الولادة والتقلبات المزاجية الحادة.
4- سن اليأس (انقطاع الطمث): الانخفاض التدريجي والمتقطع لمستويات الإستروجين يتسبب في موجات ساخنة واضطرابات في النوم، وكلاهما يساهم في زيادة العصبية والتقلبات المزاجية.
5- اضطرابات الغدة الدرقية: سواء كان فرط نشاط (Hyperthyroidism) أو قصور نشاط (Hypothyroidism) الغدة الدرقية، فإنها تؤثر بشكل مباشر على الطاقة والمزاج، مما يسبب القلق أو الاكتئاب والتهيج.
6- نقص الفيتامينات والمعادن: نقص فيتامين د أو فيتامينات ب، أو الحديد، يمكن أن يؤدي إلى التعب والإرهاق، مما يزيد من سرعة الانفعال والتقلب المزاجي.
خامسا…كيفية العلاج والتعامل مع المرأة المزاجية
يتطلب العلاج مقاربة شاملة تتضمن الوعي الذاتي، الدعم الخارجي، والتدخل المهني عند الضرورة:
أ. العلاج والدعم الذاتي (Lifestyle Management)
1- تنظيم نمط الحياة:
1-1- النوم الكافي: الحصول على 7-9 ساعات من النوم الجيد يومياً، فالحرمان من النوم يزيد من العصبية.
1-2- التمارين الرياضية: ممارسة النشاط البدني بانتظام (مثل المشي أو اليوغا) يساعد على إفراز هرمون الإندورفين وتحسين المزاج وإدارة التوتر.
1-3- التغذية السليمة: تجنب الإفراط في الكافيين والسكريات، والتركيز على نظام غذائي متوازن وغني بأحماض أوميغا-3 والفيتامينات.
2- إدارة التوتر: ممارسة تقنيات الاسترخاء مثل التأمل، تمارين التنفس العميق، أو كتابة اليوميات لتفريغ المشاعر.
3- الوعي الذاتي: تحديد “محفزات” التقلب المزاجي (Trigger identification)، ومعرفة الأوقات التي تكون فيها المرأة أكثر عرضة للانفعال (مثل فترة ما قبل الحيض)، واتخاذ إجراءات وقائية.
ب. الدعم من الشريك والمحيطين
1– التفهم والاحتواء: عندما تمر الشريكة بنوبة مزاجية، يجب على الشريك أن يتجنب الغضب المقابل أو اللوم، ويقدم الدعم الهادئ والاحتواء دون محاولة إجبارها على التحدث فوراً.
2- اختيار وقت النقاش: مناقشة المشكلة والبحث عن حلول يكون في أوقات الهدوء والاستقرار العاطفي، وليس أثناء نوبة المزاج المتقلب.
3- التواصل الهادئ: استخدام عبارات مثل “أنا أفهم أنك متضايقة، هل تحتاجين لبعض الوقت وحدك؟” بدلاً من “ما مشكلتك الآن؟”
ج. التدخل المهني (Professional Intervention)
1- استشارة طبيب نسائية: خاصة في حالات الاشتباه بالأسباب الهرمونية (PMS/PMDD، انقطاع الطمث)، لتلقي العلاج الهرموني أو المكملات الغذائية المناسبة.
أ- العلاج النفسي (Psychotherapy):
1- العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يساعد على تحديد أنماط التفكير السلبية وتغييرها، وتطوير مهارات تنظيم العواطف.
2- العلاج الجدلي السلوكي (DBT): مفيد بشكل خاص في حالات اضطراب الشخصية الحدية، ويركز على تحمل الضيق والتحكم في المشاعر.
ب- الاستشارة الطبية النفسية: في حال تم تشخيص اضطرابات مزاجية حادة (مثل الاكتئاب أو ثنائي القطب)، قد يصف الطبيب الأدوية المناسبة لتحقيق التوازن الكيميائي العصبي.
تُعدّ المرأة المزاجية تحدياً يتطلب مزيجاً من التفهم، والصبر، والتعاون. إن المزاجية ليست دائماً خياراً أو “دلالاً”، بل قد تكون صرخة للمساعدة أو مؤشراً لخلل هرموني أو ضغط نفسي يتجاوز قدرة المرأة على التحمل.
يكمن مفتاح الحل في الوعي والاعتراف بالتقلبات المزاجية كقضية صحية تتطلب الاهتمام، وليس عيباً يُعاقب عليه. عندما تفهم المرأة أسباب تقلبات مزاجها (سواء كانت هرمونية أو نفسية) ويقدم لها شريكها الدعم والاحتواء المناسبين، يمكن تحويل هذه الدوامة العاطفية إلى مسار مستقر وعلاقة صحية ومتينة.
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت


