المخرج الأميركي بول توماس أندرسون يسلط عدسته على الجانب المظلم من أميركا المصابة بانفصام، الممزَّقة بين عبقريتها وانحطاطها.

سيما بول اندرسون ..أميركا المجنونة المحتضرة.

جورج كعدي..

تصوّر سينما المخرج الأميركي بول توماس أندرسون جوانب مختلفة من أميركا المصابة بانفصام، الممزَّقة بين عبقريتها وانحطاطها، فأبطال أفلامه إمّا لامعون أو تائهون، طامعون أو منعزلون، متغطرسون أو منحلّون، آسرون أو مرضى، مؤمنون أو مهلوسون؛ تمامًا مثلما هو العام سام. هم تجسيد لأميركا المرتابة في عهد نيكسون، أو ما بعد حدث 11 سبتمبر/ أيلول (2001)، ويمثّلون انحطاط الولايات المتحدة “المبهر”. وتعدّ أفلام أندرسون ذات الطابع الملحميّ والجماعيّ استعارة ممتدة لحركة مزدوجة، من الحميميّ إلى العام المشترك، ومن العالم إلى الفرد، فالعائلة رمز تقليديّ للحياة الأميركية، مصدر للمعاناة الصامتة، ولذلك غالبًا ما تشكّل الملاذات غير الآمنة مثل المخدرات والجشع إلى المال والسلطة والمعتقدات الدينية العجيبة والإباحية أسبابًا لتعاسات أكبر في نهاية المطاف. المشاعر المدمّرة تعكس اضطرابات أميركا المعاصرة.في حفل الأوسكار الأخير، الذي أقيم مساء 15 مارس/ آذار الفائت، حصد فيلم بول توماس أندرسون “معركة تلو الأخرى/ A battle after another” حصة الأسد من الجوائز التي بلغ عددها ستة أوسكارات من أصل ثلاثة عشر ترشيحًا، إذ نال أوسكارات أفضل فيلم، وأفضل إخراج، وأفضل سيناريو مقتبس، وأفضل ممثل مساعد (شون بن)، وأفضل مونتاج، وأفضل كاستينغ (اختيار ممثلين)، ويكمل أندرسون ثيماته المعهودة فيه، وهي عينها منذ فيلمه الروائي الطويل الأول “الثمان الصعبة/ Hard Eight  (1996)” الذي يدور بأكمله بين الكازينوهات والمطاعم والفنادق الرخيصة، حيث يتفنّن البعض في “صناعة” الحظ لكسب عيشه، في لعبة غش معدّة سلفًا، وقانون الشرف الوحيد المتبقي هو ما يسود بين المقامرين والمجرمين، وأتعسهم هنا جون سي رايلي، الذي يؤدي شخصية المفلس المحتاج إلى المال الذي لا يملك منه ما يكفي لجنازة أمه المتوفاة، ويخضع مضطرًا إلى المقامر المحترف (فيليب بيكر هول) الأنيق، القاتل عند الضرورة… يصوّر أندرسون بدقة انهيار كل القيم الأميركية تحت وطأة الحاجة إلى المال.فيلم أندرسون الثاني بعد سنة من فيلمه الأول كان بعنوان “ليالي الرقص”/ Boogie Nights (1997) الذي يؤدي فيه إدي آدامز شخصية ممثل أفلام البورنوغرافيا ديرك ديغلر، في إدارة المخرج جاك هورنر الذي يؤدي شخصيته برت رينولدز، كمخرج قادر على تصوير أفلام إباحية “فنية” يشاهدها الجمهور حتى بعد ممارسة الجنس، وانحدرت أفلامه إلى “حلقات” مصوّرة في يوم واحد، فلم يبق ديرك قادرًا على فعل الانتصاب، إذ يقضي أداء المشهد الجنسي في النهاية على أي شعور غير مرتبط بالمال. حصلوا جميعًا على ما أرادوا من شهرة ومال ومنازل وسيارات، وانتهى بهم الأمر مفلسين، تعساء. نجح “الحلم الأميركي” في البداية ثمّ دفّعهم الثمن. إنها وعود النظام الرأسمالي الكاذبة.ليوناردو دي كابريو في “معركة تلو الأخرى”مع فيلم “ماغنوليا”/ Magnolia (1999) لم يبق أندرسون مكتفيًا بالتلميحات، بل أضحى خطابه السينمائي الذي يهجو الحقيقة والواقع الأميركيين أكثر صراحة ومواجهة، فأتى بالممثل توم كروز ليؤدي شخصية “فرانك تي جي ماكي”، خبير التنمية الذاتية، ليدير ندوات بعنوان “الإغواء والتدمير”، ملقّنًا روّاد قاعات الفنادق المليئة بالرجال “احترام العضو الذكري” و”ترويض المرأة”. وفي الواقع، كان المدرّب والخبير الحقيقي روس جيفريز هو ملهم كروز في شخصية “ماكي”، فجيفريز هذا كان يحيي مثل هذه الندوات “التدريبية” في أواخر التسعينيات من القرن الفائت، شارحًا تقنيات البرمجة اللغوية العصبية، المقنّعة بنصائح الإغواء للرجال الذين ظنّوا أن النساء يمثّلن عقبة بينهم وبين الجنس. في تعبير آخر، كان أندرسون يوثّق روائيًا ثقافة العزوبية القسرية في عهد كلينتون. “فلسفة” المدرّب “فرانك” (كروز) تعامل النساء بكونهن أرضًا يجب غزوها، وتفسّر الحميمية كضعف يُستغلّ، والرجولة كمسرح يستدعي يقظة دائمة. إنّه يلقّن الحرب بين الجنسين واقعًا. يبدو الرجال في قاعات الفنادق تلك سعداء جدًا. باتوا يملكون طريقة للفوز. وتجري صحافية (أبريل غريس) مقابلة مع “فرانك” وتفكك أسطورته على نحو منهجيّ: شهاداته العلمية المختلقة، تاريخ عائلته الملفّق، أمه المحتضرة التي هجرها ومحاها من سيرته الذاتية. يكشف وجه كروز أمرًا استثنائيًا خلال هذا المشهد المفتاحيّ الطويل، إذ ينهار التبجّح المصطنع فنرى فجأة طفلًا مرتعبًا بنى مجدًا وشهرة على الغضب، فالضعف كان سيرغمه على الاعتراف بأن والده تخلّى عنه عندما كان في سن الرابعة عشرة. شخصية مريضة، مأزومة. واستلزمت نهاية الفيلم إسقاط ضفادع من السماء (مشهد سينمائي أنطولوجيّ) وظهور أوبئة وتدخّل إلهيّ مباشر لتحطيم الأكاذيب. الفيلم يصرخ: هذه المؤسسات فاسدة، هذه العائلات متآكلة، هذه الرجولة سامّة ومريضة، وهذا الوضع غير مستدام.بين عامي 1996 و1999 حمّل بول توماس أندرسون أفلامه الرسالة عينها: أشخاص مدمّرون، قادرون نظريًا على الخلاص لو نجوا مما هو آتٍ. هؤلاء الأشخاص عالقون في نظم مصمّمة لاستخراج كلّ ما هو قيّمٌ فيهم ثم رمي القشرة، أي كينونتهم الخاصة. سوف تستمرّ الكازينوهات في العمل، وسوف يستمرّ تصوير الأفلام الإباحية. وسوف يواصل المحتالون “التدريس”. لا تهتمّ الآلة الرأسمالية بتوفير سبل الخلاص. تحتاج فقط إلى أجساد جديدة.”يلوح شبح دونالد ترامب في الفيلم، علمًا أن الموقف السلبي من مسألة الهجرة هو امتداد لمواقف رؤساء سابقين، وانعكاس لنصف قرن من القمع والنهج العسكري المزداد باستمرار حيال المهاجرين”عام 2007 حوّل أندرسون موضوع التنقيب عن النفط إلى ما يشبه المسّ الشيطاني في “سيكون هناك دم”/ There Will Be Blood. كان الرجل الطمّاع “دانيال بلينفيو” (دانيال داي لويس) ينقّب عن النفط في أرض “إلاي صنداي” (بول دانو) ويأخذ ما في باطنها مع الإنكار التام، ومع تضحيات هائلة، فالثروات تستلزم جنازات، وقبالته “إلاي صنداي” الذي يوجّه الروح القدس عبر رعيته كما يوجّه “بلينفيو” النفط عبر منصاته. طقوس “إلاي” الكنسية تشمل التلوّي أرضًا، والنطق بألسنة، وطرد الشياطين. جشع أرضيّ مقابل هلوسات غيبية. أي عقيدة الرأسمال مقابل المعتقدات شديدة الغرابة كالسيناتولوجيا (العلموية) التي كانت سببًا رئيسًا في انفصال توم كروز وكيتي هولمز عام 2012، وترويج أوبرا وينفري لأفكار إيكهارت تول بين ربّات البيوت اللاتي كنّ يبحثن عن “معنى كونيّ” لمعاناتهن. وكان قساوسة الكنائس الكبرى يُضبطون أسبوعيًا وهم يمارسون الدعارة مع شبان مستأجرين. وكان مدرّسو اليوغا يدرّبون طلابهم على الاعتداء الجنسي تحت اسم “تانترا”. مزيج أميركي نسيج وحده من الكبت الجنسي و”السلطة الروحية”. كان الأميركيون ينضمّون إلى مثل هذه “الطوائف” والبدع بوتيرة أسرع من القدرة على توثيقها. وهذا ما يعالجه فيلم أندرسون “المعلّم”/ The Master (2012) من بطولة فيليب سيمور هوفمان في شخصية “المعلّم” ويواكين فينيكس في شخصية الجندي السابق الذي يعاني اضطرابًا نفسيًا ويتصرّف غريزيًا وعنفيًا، في حين ينتحل “المعلّم” صفة المحلّل النفسي، ويبحث الأول عمّن يضبط فوضاه، ويحتاج الثاني إلى من يستغلّ لتأكيد سلطته، والواقع أن كليهما متساويان في الضعف والهشاشة، وكل ما يحتاجه الفرد الأميركي هو الوهم، وهم “القيادة” ووهم الخضوع والتبعية. “المعلّم” صورة فرويدية لأمة تعاني اضطراب ما بعد الصدمة الروحية الجماعية. طالما أنّ البشر معرّضون للألم الوجوديّ (أي طالما وجدت البشرية) فسيكون هناك من يروّج للإيمان والعقيدة، أي إيمان وأي عقيدة.”خيط وهمي”/ Phantom Thread (2017) مع دانيال داي لويس خيّاطًا مرهفًا، متأنّقًا ومستبدًا، و”بيتزا عرق السوس”/ Licorice Pizza (2021) الرومانسي النوستالجي في عالم المراهقين، سبعينيّات القرن الماضي، فيلمان لأندرسون يبدوان محطتين للاستراحة من عوالمه السوداء الداكنة، ما قبل وما بعد، غير أنّه لا يطيل الابتعاد عن ثيماته الهجائية والحادّة لآفات المجتمع الأميركي، فيعود في فيلمه الأخير، حاصد الأوسكارات، “معركة تلو الأخرى” ليعبّر بسينيكيّة عالية عن واقع المجتمع الأميركي غير المتبدّل، بل المزداد عنفًا وتمييزًا عنصريًا ضد المهاجرين والملوّنين والهامشيين من قِبل “الرجل الأبيض” الذي يدير البلاد من الغرف السرية أو ما يعرف بالدولة العميقة التي يحكمها اليانكي العنصري الرهيب. صورة معبّرة جدًا عن مرحلة دونالد ترامب الآنية التي أنبأت بها على نحو فذّ رواية توماس بينشون بالعنوان نفسه عن الثقافة المضادة والثورة المضادة، ويتجلّى فيها الفصام السياسيّ الأميركيّ على نحو هذريّ، سورياليّ، عبثيّ، حول فصل الأطفال المهاجرين عن ذويهم على الحدود الأميركية ـ المكسيكية، والطبقة السرية الحاكمة في الولايات المتحدة، وعمليات الاعتقال الخبيثة التي تقوم بها إدارة الهجرة والجمارك (ICE)، والحماسة الفاشية لترامب على طريقة فيشي. رواية وفيلم سياسيان بامتياز، مناهضان للفاشية في جوهرهما، مع نبرة ساخرة سوداء.شون بن في شخصية الضابط الفاشي الموتور في “معركة تلو الأخرى”يخدعنا فيلم “معركة تلو الأخرى”. نخال أنفسنا أمام فيلم “أكشن” طويل، مشبع بالمطاردات والانفجارات المألوفة في هذا النوع، لكن سرعان ما ينزاح هذا القناع ليكشف عن خطاب سينمائي شديد التعقيد، يتجاوز ظاهر الحكاية عن مطاردين وثوار ليغوص في واقع اجتماعيّ وسياسيّ يتعلّق بالراهن الأميركيّ. بيد أنه ليس خطابًا مباشرًا، بل يقوم على قصة شائقة مليئة بالحركة والدراما والدعابة السوداء، كأنه يقول: يمكن للسينما أن تسلّي وتفكّر في الوقت نفسه. شخوص الفيلم ليست مجرّد رموز، فكل شخصية تحمل تناقضاتها، ومن خلال مجموعة الشخوص هذه يرسم الفيلم صورة دقيقة عن الانقسام الأميركي اليوم، عن الصراع بين السلطة والخوف، بين الماضي الذي لا يموت والحاضر الذي يزداد قسوة. السرد مفعم بالتفاصيل ولا تكرار ولا ابتذال. الإسقاط السياسي في الفيلم شديد الوضوح. قصة الثورة ضد الحكومة ليست مجرد حبكة، بل هي انعكاس للواقع الأميركي الذي يتعامل مع المهاجرين بوصفهم “خطرًا وجوديًا” في أمة قامت أصلًا على هجرة المجموعات التي أبادت السكان الأصليين، وها أحفاد أولئك المهاجرين القتلة يريدون تبديل واقع بلاد الهجرة والمهاجرين تاريخيًا.”معركة تلو الأخرى” فسيفساء لاذعة للقيم الأميركية المتداعية، للاستغلال الفاحش للسلطة، للنفاق البغيض في المجتمع الأميركي. وجبة فكرية دسمة بجنون إبداعيّ وإخراج مبهر يربط المشاهد الطويلة بحركة دينامية ودقة ملاحظة. يلامس الفيلم مشاعر كل إنسان غاضب من الوضع العالميّ الراهن، والأميركي خصوصًا. الكاتب بينشون يُعدّ أحد أبرز كتّاب ما بعد الحداثة، وقد صدرت روايته هذه عام 1990 وتعكس تداعيات حقبة الستينيات والتحوّل الرجعيّ الذي شهدته السياسة الأميركية في الثمانينيات. وبينما يحتفظ الفيلم ببعض روح الدعابة ما بعد الحداثية التي نقع عليها في روايات بينشون، يعتمد أندرسون نهجًا أكثر جدية حيال عنصرية البيض، وبخاصة في تصويره الواقعيّ الصادم للشرطة المسلحة. ويحمل الفيلم في الوقت عينه شوقًا إنسانيًا عميقًا يبرّر الطابع الغريب المتبقي من رواية بينشون، فالحب بين الأب (ليوناردو دي كابريو) وابنته (تشيس إنفينيتي) ينتصر في النهاية على الكراهية. بقدر ما هو فيلم عن وجوه أميركا القبيحة، هو أيضًا فيلم عن حب أب لابنته، وعن الحب الضائع بين الابنة وأمها (تيانا تايلور) الثائرة التي تركتها طفلة في عهدة أبيها، وبقيت مثالًا لها حتى وهي مختفية من حياتها، معتقدةً بموتها.يبقى أثر كل شخصية في هذا الفيلم راسخًا، كل شخصية بلا استثناء، فما يقدمه الممثلون بإدارة أندرسون يلامس الإعجاز، وبخاصة شون بن في شخصية “لوكجو” العسكري الفاشيّ المضطرب والمنحرف، المدمّر في آن معًا، والمزداد دمارًا فوق دمار مع تطوّر الحوادث.يلوح شبح دونالد ترامب في الفيلم، علمًا أن الموقف السلبي من مستصوّر سينما المخرج الأميركي بول توماس أندرسون جوانب مختلفة من أميركا المصابة بانفصام، الممزَّقة بين عبقريتها وانحطاطها، فأبطال أفلامه إمّا لامعون أو تائهون، طامعون أو منعزلون، متغطرسون أو منحلّون، آسرون أو مرضى، مؤمنون أو مهلوسون؛ تمامًا مثلما هو العام سام. هم تجسيد لأميركا المرتابة في عهد نيكسون، أو ما بعد حدث 11 سبتمبر/ أيلول (2001)، ويمثّلون انحطاط الولايات المتحدة “المبهر”. وتعدّ أفلام أندرسون ذات الطابع الملحميّ والجماعيّ استعارة ممتدة لحركة مزدوجة، من الحميميّ إلى العام المشترك، ومن العالم إلى الفرد، فالعائلة رمز تقليديّ للحياة الأميركية، مصدر للمعاناة الصامتة، ولذلك غالبًا ما تشكّل الملاذات غير الآمنة مثل المخدرات والجشع إلى المال والسلطة والمعتقدات الدينية العجيبة والإباحية أسبابًا لتعاسات أكبر في نهاية المطاف. المشاعر المدمّرة تعكس اضطرابات أميركا المعاصرة.في حفل الأوسكار الأخير، الذي أقيم مساء 15 مارس/ آذار الفائت، حصد فيلم بول توماس أندرسون “معركة تلو الأخرى/ A battle after another” حصة الأسد من الجوائز التي بلغ عددها ستة أوسكارات من أصل ثلاثة عشر ترشيحًا، إذ نال أوسكارات أفضل فيلم، وأفضل إخراج، وأفضل سيناريو مقتبس، وأفضل ممثل مساعد (شون بن)، وأفضل مونتاج، وأفضل كاستينغ (اختيار ممثلين)، ويكمل أندرسون ثيماته المعهودة فيه، وهي عينها منذ فيلمه الروائي الطويل الأول “الثمان الصعبة/ Hard Eight (1996)” الذي يدور بأكمله بين الكازينوهات والمطاعم والفنادق الرخيصة، حيث يتفنّن البعض في “صناعة” الحظ لكسب عيشه، في لعبة غش معدّة سلفًا، وقانون الشرف الوحيد المتبقي هو ما يسود بين المقامرين والمجرمين، وأتعسهم هنا جون سي رايلي، الذي يؤدي شخصية المفلس المحتاج إلى المال الذي لا يملك منه ما يكفي لجنازة أمه المتوفاة، ويخضع مضطرًا إلى المقامر المحترف (فيليب بيكر هول) الأنيق، القاتل عند الضرورة… يصوّر أندرسون بدقة انهيار كل القيم الأميركية تحت وطأة الحاجة إلى المال.فيلم أندرسون الثاني بعد سنة من فيلمه الأول كان بعنوان “ليالي الرقص”/ Boogie Nights (1997) الذي يؤدي فيه إدي آدامز شخصية ممثل أفلام البورنوغرافيا ديرك ديغلر، في إدارة المخرج جاك هورنر الذي يؤدي شخصيته برت رينولدز، كمخرج قادر على تصوير أفلام إباحية “فنية” يشاهدها الجمهور حتى بعد ممارسة الجنس، وانحدرت أفلامه إلى “حلقات” مصوّرة في يوم واحد، فلم يبق ديرك قادرًا على فعل الانتصاب، إذ يقضي أداء المشهد الجنسي في النهاية على أي شعور غير مرتبط بالمال. حصلوا جميعًا على ما أرادوا من شهرة ومال ومنازل وسيارات، وانتهى بهم الأمر مفلسين، تعساء. نجح “الحلم الأميركي” في البداية ثمّ دفّعهم الثمن. إنها وعود النظام الرأسمالي الكاذبة.ليوناردو دي كابريو في “معركة تلو الأخرى”مع فيلم “ماغنوليا”/ Magnolia (1999) لم يبق أندرسون مكتفيًا بالتلميحات، بل أضحى خطابه السينمائي الذي يهجو الحقيقة والواقع الأميركيين أكثر صراحة ومواجهة، فأتى بالممثل توم كروز ليؤدي شخصية “فرانك تي جي ماكي”، خبير التنمية الذاتية، ليدير ندوات بعنوان “الإغواء والتدمير”، ملقّنًا روّاد قاعات الفنادق المليئة بالرجال “احترام العضو الذكري” و”ترويض المرأة”. وفي الواقع، كان المدرّب والخبير الحقيقي روس جيفريز هو ملهم كروز في شخصية “ماكي”، فجيفريز هذا كان يحيي مثل هذه الندوات “التدريبية” في أواخر التسعينيات من القرن الفائت، شارحًا تقنيات البرمجة اللغوية العصبية، المقنّعة بنصائح الإغواء للرجال الذين ظنّوا أن النساء يمثّلن عقبة بينهم وبين الجنس. في تعبير آخر، كان أندرسون يوثّق روائيًا ثقافة العزوبية القسرية في عهد كلينتون. “فلسفة” المدرّب “فرانك” (كروز) تعامل النساء بكونهن أرضًا يجب غزوها، وتفسّر الحميمية كضعف يُستغلّ، والرجولة كمسرح يستدعي يقظة دائمة. إنّه يلقّن الحرب بين الجنسين واقعًا. يبدو الرجال في قاعات الفنادق تلك سعداء جدًا. باتوا يملكون طريقة للفوز. وتجري صحافية (أبريل غريس) مقابلة مع “فرانك” وتفكك أسطورته على نحو منهجيّ: شهاداته العلمية المختلقة، تاريخ عائلته الملفّق، أمه المحتضرة التي هجرها ومحاها من سيرته الذاتية. يكشف وجه كروز أمرًا استثنائيًا خلال هذا المشهد المفتاحيّ الطويل، إذ ينهار التبجّح المصطنع فنرى فجأة طفلًا مرتعبًا بنى مجدًا وشهرة على الغضب، فالضعف كان سيرغمه على الاعتراف بأن والده تخلّى عنه عندما كان في سن الرابعة عشرة. شخصية مريضة، مأزومة. واستلزمت نهاية الفيلم إسقاط ضفادع من السماء (مشهد سينمائي أنطولوجيّ) وظهور أوبئة وتدخّل إلهيّ مباشر لتحطيم الأكاذيب. الفيلم يصرخ: هذه المؤسسات فاسدة، هذه العائلات متآكلة، هذه الرجولة سامّة ومريضة، وهذا الوضع غير مستدام.بين عامي 1996 و1999 حمّل بول توماس أندرسون أفلامه الرسالة عينها: أشخاص مدمّرون، قادرون نظريًا على الخلاص لو نجوا مما هو آتٍ. هؤلاء الأشخاص عالقون في نظم مصمّمة لاستخراج كلّ ما هو قيّمٌ فيهم ثم رمي القشرة، أي كينونتهم الخاصة. سوف تستمرّ الكازينوهات في العمل، وسوف يستمرّ تصوير الأفلام الإباحية. وسوف يواصل المحتالون “التدريس”. لا تهتمّ الآلة الرأسمالية بتوفير سبل الخلاص. تحتاج فقط إلى أجساد جديدة.”يلوح شبح دونالد ترامب في الفيلم، علمًا أن الموقف السلبي من مسألة الهجرة هو امتداد لمواقف رؤساء سابقين، وانعكاس لنصف قرن من القمع والنهج العسكري المزداد باستمرار حيال المهاجرين”عام 2007 حوّل أندرسون موضوع التنقيب عن النفط إلى ما يشبه المسّ الشيطاني في “سيكون هناك دم”/ There Will Be Blood. كان الرجل الطمّاع “دانيال بلينفيو” (دانيال داي لويس) ينقّب عن النفط في أرض “إلاي صنداي” (بول دانو) ويأخذ ما في باطنها مع الإنكار التام، ومع تضحيات هائلة، فالثروات تستلزم جنازات، وقبالته “إلاي صنداي” الذي يوجّه الروح القدس عبر رعيته كما يوجّه “بلينفيو” النفط عبر منصاته. طقوس “إلاي” الكنسية تشمل التلوّي أرضًا، والنطق بألسنة، وطرد الشياطين. جشع أرضيّ مقابل هلوسات غيبية. أي عقيدة الرأسمال مقابل المعتقدات شديدة الغرابة كالسيناتولوجيا (العلموية) التي كانت سببًا رئيسًا في انفصال توم كروز وكيتي هولمز عام 2012، وترويج أوبرا وينفري لأفكار إيكهارت تول بين ربّات البيوت اللاتي كنّ يبحثن عن “معنى كونيّ” لمعاناتهن. وكان قساوسة الكنائس الكبرى يُضبطون أسبوعيًا وهم يمارسون الدعارة مع شبان مستأجرين. وكان مدرّسو اليوغا يدرّبون طلابهم على الاعتداء الجنسي تحت اسم “تانترا”. مزيج أميركي نسيج وحده من الكبت الجنسي و”السلطة الروحية”. كان الأميركيون ينضمّون إلى مثل هذه “الطوائف” والبدع بوتيرة أسرع من القدرة على توثيقها. وهذا ما يعالجه فيلم أندرسون “المعلّم”/ The Master (2012) من بطولة فيليب سيمور هوفمان في شخصية “المعلّم” ويواكين فينيكس في شخصية الجندي السابق الذي يعاني اضطرابًا نفسيًا ويتصرّف غريزيًا وعنفيًا، في حين ينتحل “المعلّم” صفة المحلّل النفسي، ويبحث الأول عمّن يضبط فوضاه، ويحتاج الثاني إلى من يستغلّ لتأكيد سلطته، والواقع أن كليهما متساويان في الضعف والهشاشة، وكل ما يحتاجه الفرد الأميركي هو الوهم، وهم “القيادة” ووهم الخضوع والتبعية. “المعلّم” صورة فرويدية لأمة تعاني اضطراب ما بعد الصدمة الروحية الجماعية. طالما أنّ البشر معرّضون للألم الوجوديّ (أي طالما وجدت البشرية) فسيكون هناك من يروّج للإيمان والعقيدة، أي إيمان وأي عقيدة.”خيط وهمي”/ Phantom Thread (2017) مع دانيال داي لويس خيّاطًا مرهفًا، متأنّقًا ومستبدًا، و”بيتزا عرق السوس”/ Licorice Pizza (2021) الرومانسي النوستالجي في عالم المراهقين، سبعينيّات القرن الماضي، فيلمان لأندرسون يبدوان محطتين للاستراحة من عوالمه السوداء الداكنة، ما قبل وما بعد، غير أنّه لا يطيل الابتعاد عن ثيماته الهجائية والحادّة لآفات المجتمع الأميركي، فيعود في فيلمه الأخير، حاصد الأوسكارات، “معركة تلو الأخرى” ليعبّر بسينيكيّة عالية عن واقع المجتمع الأميركي غير المتبدّل، بل المزداد عنفًا وتمييزًا عنصريًا ضد المهاجرين والملوّنين والهامشيين من قِبل “الرجل الأبيض” الذي يدير البلاد من الغرف السرية أو ما يعرف بالدولة العميقة التي يحكمها اليانكي العنصري الرهيب. صورة معبّرة جدًا عن مرحلة دونالد ترامب الآنية التي أنبأت بها على نحو فذّ رواية توماس بينشون بالعنوان نفسه عن الثقافة المضادة والثورة المضادة، ويتجلّى فيها الفصام السياسيّ الأميركيّ على نحو هذريّ، سورياليّ، عبثيّ، حول فصل الأطفال المهاجرين عن ذويهم على الحدود الأميركية ـ المكسيكية، والطبقة السرية الحاكمة في الولايات المتحدة، وعمليات الاعتقال الخبيثة التي تقوم بها إدارة الهجرة والجمارك (ICE)، والحماسة الفاشية لترامب على طريقة فيشي. رواية وفيلم سياسيان بامتياز، مناهضان للفاشية في جوهرهما، مع نبرة ساخرة سوداء.شون بن في شخصية الضابط الفاشي الموتور في “معركة تلو الأخرى”يخدعنا فيلم “معركة تلو الأخرى”. نخال أنفسنا أمام فيلم “أكشن” طويل، مشبع بالمطاردات والانفجارات المألوفة في هذا النوع، لكن سرعان ما ينزاح هذا القناع ليكشف عن خطاب سينمائي شديد التعقيد، يتجاوز ظاهر الحكاية عن مطاردين وثوار ليغوص في واقع اجتماعيّ وسياسيّ يتعلّق بالراهن الأميركيّ. بيد أنه ليس خطابًا مباشرًا، بل يقوم على قصة شائقة مليئة بالحركة والدراما والدعابة السوداء، كأنه يقول: يمكن للسينما أن تسلّي وتفكّر في الوقت نفسه. شخوص الفيلم ليست مجرّد رموز، فكل شخصية تحمل تناقضاتها، ومن خلال مجموعة الشخوص هذه يرسم الفيلم صورة دقيقة عن الانقسام الأميركي اليوم، عن الصراع بين السلطة والخوف، بين الماضي الذي لا يموت والحاضر الذي يزداد قسوة. السرد مفعم بالتفاصيل ولا تكرار ولا ابتذال. الإسقاط السياسي في الفيلم شديد الوضوح. قصة الثورة ضد الحكومة ليست مجرد حبكة، بل هي انعكاس للواقع الأميركي الذي يتعامل مع المهاجرين بوصفهم “خطرًا وجوديًا” في أمة قامت أصلًا على هجرة المجموعات التي أبادت السكان الأصليين، وها أحفاد أولئك المهاجرين القتلة يريدون تبديل واقع بلاد الهجرة والمهاجرين تاريخيًا.”معركة تلو الأخرى” فسيفساء لاذعة للقيم الأميركية المتداعية، للاستغلال الفاحش للسلطة، للنفاق البغيض في المجتمع الأميركي. وجبة فكرية دسمة بجنون إبداعيّ وإخراج مبهر يربط المشاهد الطويلة بحركة دينامية ودقة ملاحظة. يلامس الفيلم مشاعر كل إنسان غاضب من الوضع العالميّ الراهن، والأميركي خصوصًا. الكاتب بينشون يُعدّ أحد أبرز كتّاب ما بعد الحداثة، وقد صدرت روايته هذه عام 1990 وتعكس تداعيات حقبة الستينيات والتحوّل الرجعيّ الذي شهدته السياسة الأميركية في الثمانينيات. وبينما يحتفظ الفيلم ببعض روح الدعابة ما بعد الحداثية التي نقع عليها في روايات بينشون، يعتمد أندرسون نهجًا أكثر جدية حيال عنصرية البيض، وبخاصة في تصويره الواقعيّ الصادم للشرطة المسلحة. ويحمل الفيلم في الوقت عينه شوقًا إنسانيًا عميقًا يبرّر الطابع الغريب المتبقي من رواية بينشون، فالحب بين الأب (ليوناردو دي كابريو) وابنته (تشيس إنفينيتي) ينتصر في النهاية على الكراهية. بقدر ما هو فيلم عن وجوه أميركا القبيحة، هو أيضًا فيلم عن حب أب لابنته، وعن الحب الضائع بين الابنة وأمها (تيانا تايلور) الثائرة التي تركتها طفلة في عهدة أبيها، وبقيت مثالًا لها حتى وهي مختفية من حياتها، معتقدةً بموتها.يبقى أثر كل شخصية في هذا الفيلم راسخًا، كل شخصية بلا استثناء، فما يقدمه الممثلون بإدارة أندرسون يلامس الإعجاز، وبخاصة شون بن في شخصية “لوكجو” العسكري الفاشيّ المضطرب والمنحرف، المدمّر في آن معًا، والمزداد دمارًا فوق دمار مع تطوّر الحوادث.يلوح شبح دونالد ترامب في الفيلم، علمًا أن الموقف السلبي من مسألة الهجرة هو امتداد لمواقف رؤساء سابقين، وانعكاس لنصف قرن من القمع والنهج العسكري المزداد باستمرار حيال المهاجرين. لطالما انجذب أندرسون إلى اكتشاف شقاء الذات الفردية والبحث المفجع عن المكانة والثبات في عالم متغيّر باستمرار. تتميز أفلامه بحيويتها غير المحدودة والسخرية من الوحشية المطلقة بمزيج متفجّر، شرس، مضحك ومليء بالإثارة، مع عنف مؤلم ذي تأثير درامي قويّ. ودومًا خلف الإبهار السينمائي، صورة أميركا المجنونة المحتضرة#ضفة ثالثة#مجلة ايليت فوتو ارت…

أخر المقالات

منكم وإليكم