فيلم الطبيب الألماني The German Doctorرغم أن أحداث فيلم الطبيب الألماني تدور في العام 1960، إلا أن روحه تعود بنا مباشرةً إلى غرفةٍ أكثر ظلمةً من الزمن نفسه ، الحرب العالمية الثانية، ومعسكرات الاعتقال النازية، وذاك النوع من الشرّ الذي لا يكتفي بالقتل، بل يحاول أن يمنح القتل معنى “علمياً” كي يصبح وحشاً منظمّاً لا يرتجف. العام 1960 ليس تاريخاً عادياً في السياق، فهو يمثل مرور خمسة عشر عاماً على نهاية الحرب، لكنه أيضاً زمنٌ بدأت فيه بعض الأشباح النازية تُعيد ترتيب حياتها بعيداً عن أوروبا، داخل جغرافياتٍ مفتوحة قادرة على إخفاء المجرمين تحت أسماء جديدة وملامح جديدة.تفتتح المخرجة الأرجنتينية لوسيا بوينزو فيلمها بلقطات أطفال يلعبون في قرية من قرى باتاغونيا الأرجنتينية، فضاء واسع، طبيعة هادئة، وسماء تعطي انطباعاً بأن العالم بخير. ثم يأتي “الرجل” في الخمسين من عمره… يراقب، يتأمل، يتفرّس في جسد طفلة اسمها “ليليت” كما لو أنها معادلة ناقصة يريد إكمالها. هنا يبدأ الغموض ، لماذا يراقب طفلة؟ لماذا يبدو كطبيبٍ يمتلك فضولاً أقرب إلى الهوس؟ ولماذا يحمل دفتر ملاحظات مليئاً بالرسوم التشريحية والتعليقات الدقيقة؟تلتقيه عائلةٌ أرجنتينية وهي في طريقها لافتتاح فندق صغير قرب مدينة باريلوتشي في غرب باتاغونيا. يقدّم نفسه باسمٍ ألماني: هيلموت غريغور. رجل مهذّب، لبق، يتحدث بهدوء، ويُظهر استعداداً للمدح والمساعدة. تستقبله العائلة بوصفه نزيلاً، ثم يتسلّل شيئاً فشيئاً إلى حياتهم. يدفع مقدماً أجرة إقامة طويلة. يوزع ابتساماته بمهارة. يمنح الأب شعوراً بأنه “رجل محترم”. ويُحسن التقرّب من الأم، ويمنح الطفلة ليليت اهتماماً استثنائياً.ومن هنا يبدأ الفيلم في اللعب على منطقة خطرة: منطقة “الشرّ اللطيف”. الشرّ الذي لا يدخل بخطواتٍ عسكرية، بل يدخل بابتسامة الطبيب، وبعبارات الاطمئنان، وبالرغبة في العلاج. ليليت، التي تعاني من مشكلة نموّ وتجلب الشفقة والسخرية في المدرسة، تصبح بالنسبة له موضوعاً مثالياً، ليس لأن الطبيب طيب القلب، بل لأن مشروعه الحقيقي هو مشروع “الانتقاء”. إنها ليست طفلة في نظره، بل نموذجٌ يصلح للقياس والتعديل.في منتصف الفيلم، ومع تصاعد الشكوك، تظهر التفاصيل الصغيرة ، الطائرة المائية التي تهبط قرب البحيرة، البيت المغلق القريب، الأحاديث الجانبية عن “ألمان يأتون أكثر فأكثر”… ثم نبدأ بفهم أن باتاغونيا ليست فقط مكاناً جميلاً في أقصى الجنوب، بل ملاذاً أيضاً لشبكات الهروب النازية التي وجدت في أميركا الجنوبية فضاءً ملائماً للاختفاء بعد الحرب. وهذا المعنى ليس تفصيلاً سينمائياً فقط، بل جزء من السياق التاريخي المعروف لهروب عدد من النازيين إلى الأرجنتين ودول أخرى بعد 1945. إن قوة الفيلم ليست في الكشف السريع، بل في تأخير الكشف. المخرجة تريد للمشاهد أن يختبر الإحساس نفسه الذي عاشته العائلة ، الثقة… ثم التردد… ثم الريبة… ثم الفزع. ولهذا يظل الطبيب “هيلموت غريغور” يتقدم خطوةً خطوة، حتى تأتي اللحظة التي نعرف فيها الحقيقة كاملة ، إن هذا الطبيب ليس سوى جوزيف منغله، طبيب النازية الأشهر، والاسم الذي ارتبط بمعسكر أوشفيتز وبالتجارب الطبية على البشر، خصوصاً التوائم والأطفال. هنا يتحول الفيلم من قصة ضيفٍ غامض إلى مرآة كابوسية عن العلم حين يفقد إنسانيته. منغله في الفيلم ليس شيطاناً يصيح، بل “عقلٌ” يؤمن أن الإنسان مادة، وأن العرق فكرة قابلة للتهذيب كما تُهذّب الحيوانات. ولذلك يبدو اهتمامه بالأم الحامل بتوأم امتداداً طبيعياً لجريمته القديمة ، فالتوأم بالنسبة له ليس “حياة”، بل مادة بحث، ووسيلة لإشباع حلمه العنصري المريض.أداء الممثل أليكس برنديمول في دور الطبيب يقدم نموذجاً بالغ الذكاء ، لا يبالغ في الشر، بل يجعل الشرّ شيئاً بارداً ومقنعاً، يلبس قناع اللباقة. أما الطفلة فلورنسيا بادو فتقدم دور “ليليت” بعفويةٍ موجعة ، فالمأساة أنها لا ترى في الطبيب جلاداً، بل ترى فيه وعداً بالخلاص من عقدتها الجسدية. وهنا تقع الحبكة في أكثر مناطقها إيلاماً ، الطفلة نفسها تُسلّم جسدها “للخطر” لأنها تريد أن تكون طبيعية. سينمائياً، يعتمد الفيلم على التكثيف في الكلام، وتقديم التعبير البصري بوصفه لغة أكثر بلاغة. الكاميرا لا تثرثر، بل تراقب. الطبيعة الباتاغونية تُصور بلقطات واسعة تمنح العين جمالاً، لكنها في الوقت نفسه تخلق شعوراً بالوحدة ، كل هذا الاتساع… ومع ذلك يستطيع الشر أن يختبئ بسهولة. تصوير نيكولاس بوينزو يمنح الفيلم جمالاً بانورامياً يتناقض مع القبح الأخلاقي للشخصية المركزية، وكأن الصورة تقول ، حتى أجمل الأماكن قد تخفي أفظع الكائنات. وقد عُرض الفيلم في قسم نظرة ما في مهرجان كان (2013)، واختير ممثلاً للأرجنتين في سباق الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، ما يشير إلى مكانته في السينما الأرجنتينية الحديثة وقدرتها على تحويل التاريخ إلى دراما نفسية متقنة. في المحصلة، فإن الطبيب الألماني ليس فيلماً عن مطاردة نازي هارب، بل هو فيلم عن “الشر حين يستريح”. الشر حين لا يطلق الرصاص، بل يكتب الملاحظات. حين لا يصرخ، بل يقيس الأطوال، ويراقب التكوين، ويُخضع جسد طفلة للبحث باسم العلاج. إنه فيلم يذكّرنا بأن الجرائم الكبرى لا تبدأ بالدم… بل تبدأ بالفكرة. فكرة واحدة خاطئة عن البشر… تكفي لتصنع معسكراً، وتفتح مشرطاً، وتُعيد كتابة العالم بلغة الوحوش.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالفيلم مترجم للعربية لمشاهدة الفيلم اضغط على الرابط التاليhttps://ok.ru/video/6001932831430
#سينما العالم # مجلة ايليت فوتو ارت


