المتلقي بين السلبية واعادة صياغة المعنى.

المُتلقي في مناهج النقد الأدبي: من قارئٍ سلبي إلى شريك في إنتاج المعنى

مقدمة

ظلّ الاهتمام بالنص الأدبي، في مراحل طويلة من تاريخ النقد، موجّهًا أساسًا نحو المؤلف أو نحو النص في بنيته الداخلية. فقد سعت المناهج التاريخية إلى تفسير الأدب من خلال حياة الكاتب وعصره، بينما ركزت المناهج الشكلانية والبنيوية على استقلالية النص وبنياته اللغوية والجمالية. غير أن التحولات التي عرفها الفكر النقدي في النصف الثاني من القرن العشرين أدّت إلى إعادة الاعتبار لطرف ظلّ مهمشًا نسبيًا في العملية الأدبية، وهو المُتلقي أو القارئ.

ومن هنا ظهرت مجموعة من المناهج والاتجاهات التي جعلت من القراءة والتلقي عنصرًا أساسيًا في فهم العمل الأدبي، انطلاقًا من فكرة جوهرية مفادها أن النص لا يكتمل بمجرد كتابته، بل يتحقق بصورة فعلية عندما يدخل في علاقة مع قارئ يؤوله ويعيد إنتاج دلالاته.

  1. المتلقي في النقد التقليدي

لم يكن المتلقي غائبًا تمامًا عن النقد القديم، غير أنه لم يكن يحتل موقعًا نظريًا مستقلاً. ففي النقد الكلاسيكي كان يُنظر إلى الأدب غالبًا من زاوية تأثيره في الجمهور؛ كما نجد عند أرسطو في حديثه عن التطهير في المأساة، حيث ترتبط قيمة العمل بقدرته على إثارة الخوف والشفقة لدى المتفرج.

وفي التراث النقدي العربي، اهتم البلاغيون أيضًا بأثر الخطاب في المتلقي. فقد جعل عبد القاهر الجرجاني فهم المعنى مرتبطًا بطريقة تلقي العلاقات بين الألفاظ والمعاني، كما اهتم البلاغيون بمقام المخاطَب وأثره في بناء الخطاب.

ومع ذلك، ظل المتلقي في هذه التصورات غالبًا طرفًا يتأثر بالنص، أكثر من كونه ذاتًا فاعلة تسهم في إنتاج دلالته.

  1. من مركزية المؤلف إلى مركزية النص

في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، هيمنت المناهج التي تربط النص بصاحبه، مثل المنهج التاريخي والمنهج النفسي. وكان البحث النقدي يسعى إلى الكشف عن نوايا المؤلف أو الظروف الاجتماعية والتاريخية التي أنتجت العمل.

ثم جاءت الشكلانية والبنيوية لتعلن استقلال النص عن مؤلفه، فأصبح الاهتمام موجّهًا نحو بنيته الداخلية وعلاقاته اللغوية. وقد أسهم هذا التحول في تحرير النص من سلطة المؤلف، لكنه لم يمنح القارئ مكانة مركزية بعد.

وهكذا انتقل النقد، بصورة عامة، من سؤال: ماذا أراد المؤلف أن يقول؟ إلى سؤال: كيف يشتغل النص؟ قبل أن يظهر سؤال جديد أكثر أهمية: كيف ينتج القارئ معنى النص؟

  1. جمالية التلقي: القارئ بوصفه أفقًا للمعنى

تُعد مدرسة كونستانس الألمانية من أهم الاتجاهات التي أعادت الاعتبار إلى المتلقي، خصوصًا مع هانس روبرت ياوس وفولفغانغ إيزر.

يرى ياوس أن تاريخ الأدب لا ينبغي أن يُكتب فقط من خلال المؤلفين والنصوص، بل أيضًا من خلال تاريخ تلقي الأعمال الأدبية. وقد قدم مفهوم أفق الانتظار، ويقصد به مجموع التصورات والمعايير والخبرات التي يحملها القارئ قبل مواجهته للنص.

فالقارئ لا يدخل إلى النص فارغًا، بل يأتي محملًا بثقافته وتجاربه وتوقعاته. وقد ينسجم النص مع أفق انتظاره أو يخرقه، وفي هذا الخرق يمكن أن تتولد القيمة الجمالية والتجديد الأدبي.

أما فولفغانغ إيزر فقد ركز على عملية القراءة ذاتها، وقدم مفهوم القارئ الضمني. فالنص، في نظره، لا يقدم معناه بصورة مكتملة، بل يحتوي على فراغات ومناطق غير محددة تدعو القارئ إلى ملئها. وهكذا تصبح القراءة فعلًا من أفعال البناء والتأويل.

  1. نظرية الاستجابة القارئية

تذهب نظرية استجابة القارئ إلى أبعد من ذلك، إذ تجعل المعنى نتيجة للتفاعل بين النص والقارئ. ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه الناقد الأمريكي ستانلي فيش.

ينتقد فيش فكرة وجود معنى ثابت ومستقل داخل النص، ويرى أن القراءة تتشكل داخل ما سماه الجماعات التأويلية. فالقارئ لا يفسر النص بصورة فردية مطلقة، بل ينتمي إلى جماعة ثقافية ومعرفية تشترك في مجموعة من قواعد الفهم والتأويل.

وبذلك يصبح تعدد القراءات أمرًا طبيعيًا، لأن اختلاف القراء وخلفياتهم ومواقعهم الثقافية يؤدي إلى تعدد الدلالات الممكنة للنص.

  1. المتلقي في التأويلية

أسهمت الفلسفة التأويلية، خاصة مع هانس جورج غادامير، في تعميق مكانة المتلقي. فالفهم، عند غادامير، ليس عملية استرجاع لمعنى أصلي ثابت، وإنما هو حوار بين النص والقارئ.

وقد قدم مفهوم اندماج الآفاق، حيث يلتقي أفق القارئ المعاصر بأفق النص القادم من زمن آخر. ولذلك فإن كل قراءة جديدة يمكن أن تكشف أبعادًا لم تكن ظاهرة في القراءات السابقة.

وهنا لا يعود النص أثرًا مغلقًا ينتمي إلى الماضي، بل يصبح خطابًا حيًا يتجدد بتجدد القراء والسياقات التاريخية.

  1. المتلقي بين الحرية وحدود النص

إن الاعتراف بدور القارئ لا يعني أن له حرية مطلقة في إنتاج أي معنى يشاء. فالنص يضع مجموعة من الإشارات والقيود التي توجه عملية التأويل.

ولهذا ظهرت مفاهيم مثل القارئ النموذجي عند أمبرتو إيكو، وهو القارئ الذي يفترضه النص ضمنيًا، ويملك الكفايات اللازمة لفك شفراته. فالنص يفتح إمكانات متعددة للقراءة، لكنه لا يسمح بكل القراءات على الإطلاق.

ومن هنا يمكن القول إن المعنى الأدبي يولد في منطقة وسطى بين سلطة النص وحرية القارئ؛ فلا النص يفرض معنى واحدًا ونهائيًا، ولا القارئ يستطيع تجاهل بنيته وإشاراته.

  1. المتلقي في المناهج النقدية الحديثة

لم يعد مفهوم المتلقي حكرًا على جمالية التلقي، بل امتد إلى عدد من المناهج النقدية الحديثة.

في السيميائيات، يُنظر إلى القارئ باعتباره مؤولًا للعلامات، يعمل على تفكيك الشفرات وبناء العلاقات الدلالية.

وفي النقد الثقافي، يرتبط التلقي بالسياق الاجتماعي والثقافي، إذ تختلف قراءة النص باختلاف الطبقات والهويات والخلفيات المعرفية.

أما النقد النسوي وما بعد الكولونيالي، فقد اهتما بموقع القارئ وهويته، وبكيفية تأثير الجنس والثقافة والسلطة في عملية القراءة.

وهكذا أصبح المتلقي مفهومًا مركبًا، لا يشير فقط إلى فرد يقرأ نصًا، بل إلى ذات تاريخية وثقافية تدخل في علاقة معقدة مع الخطاب.

خاتمة

أحدث الاهتمام بالمتلقي تحولًا جوهريًا في مناهج النقد الأدبي الحديثة. فقد انتقل القارئ من موقع المتلقي السلبي إلى موقع الشريك الفاعل في إنتاج المعنى. ولم يعد العمل الأدبي كيانًا مكتملًا بمجرد صدوره عن المؤلف، بل أصبح مشروعًا دلاليًا لا يتحقق إلا عبر القراءة.

إن أهمية نظريات التلقي تكمن في أنها أعادت النظر في طبيعة المعنى الأدبي ذاته؛ فالمعنى ليس ملكًا للمؤلف وحده، ولا يقيم بصورة نهائية داخل النص، بل يتشكل من خلال التفاعل بين النص والقارئ والسياق الثقافي والتاريخي.

وبهذا المعنى، يمكن القول إن الأدب لا يعيش في لحظة الكتابة فقط، بل يتجدد باستمرار في لحظات القراءة. فكل قارئ يدخل إلى النص يحمل معه عالمه الخاص، وكل قراءة تضيف إلى العمل حياة جديدة، دون أن تلغي أثر النص أو خصوصيته.

المراجع

  1. ياوس، هانس روبرت، جمالية التلقي: من أجل تأويل جديد للنص الأدبي.
  2. إيزر، فولفغانغ، فعل القراءة: نظرية في الاستجابة الجمالية.
  3. غادامير، هانس جورج، الحقيقة والمنهج.
  4. إيكو، أمبرتو، القارئ في الحكاية: التعاون التأويلي في النصوص السردية.
  5. إيكو، أمبرتو، حدود التأويل.
  6. فيش، ستانلي، هل يوجد نص في هذا الفصل؟ سلطة الجماعات التأويلية.
  7. إيجلتون، تيري، نظرية الأدب: مقدمة.
  8. حميد لحميداني، القراءة وتوليد الدلالة: تغيير عاداتنا في قراءة النص الأدبي.
  9. محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص.
  10. سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي: النص والسياق.

السارد#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم