المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، يقبم معرض، للاعمال التشكيلي فؤاد ميمي .

احتفاء بفؤاد ميمي: فنان خارج السائد

هاني حوراني…

احتفى المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، مؤخرًا، بالفنان التشكيلي فؤاد ميمي عبر احتضان معرض يستعيد أعماله التي تعود لفترات زمنية بعيدة وأخرى نُفذت خلال النصف الأول من العقد الحالي. ويتزامن هذا المعرض مع دخول الفنان فؤاد ميمي عامه الثمانين، والذي لم يمنعه المرض من مواصلة الرسم، والخروج إلى الطبيعة ليحوّل مشاهد عديدة منها إلى لوحات تعكس أسلوبه الفني الذي يمزج ما بين التعبيرية والانطباعية. والفنان فؤاد ميمي الذي مارس في حياته العديد من المهن والفنون البصرية، ولا سيما تصميم الأزياء والإخراج التلفزيوني، ظل وفيًا لهواه الأول، وهو الرسم، حيث تفرغ له كليًا خلال العقدين الأخيرين، بعد احترافه الطويل للإنتاج والإخراج التلفزيوني، وإخراجه العديد من الأفلام الوثائقية ذات الطبيعة الثقافية. سيرة موجزةولد الفنان فؤاد ميمي في مدينة اللد، فلسطين، عام 1946، لأسرة متوسطة الحال، هاجر مع أسرته إبان النكبة إلى رام الله، وبعد وفاة والده انتقلت أسرته إلى عمان، حيث عاش فيها طفولته وشبابه المبكر. خلال المرحلة الثانوية من دراسته مارس الكتابة في الصحف المحلية، مما لفت انتباه وصفي التل، رئيس الوزراء الأردني حينذاك، مما دعاه للانضمام إلى الإذاعة الأردنية، قبل أن ينهي دراسته في المرحلة الثانوية. ثم انتقل بعدها إلى التلفزيون الأردني في أواخر الستينيات مع بداية بثه. 6 فؤاد ميمي وعدنان العلي في غرفة المونتاج بالتلفزيون الأردني أتاح له العمل في التلفزيون فرصة الالتحاق بدورات دراسية للإخراج والإنتاج التلفزيوني في محطة BBC اللندنية، وفي خلال تلك الدورات حصل على منحة أخرى لدراسة الفن التشكيلي في كلية سان مارتن، في العاصمة البريطانية، حيث حصل منها على شهادة في الدراسات المتقدمة في الفنون الجميلة. كان فؤاد ميمي محظوظًا بما فيه الكفاية ليحصل فيما بعد على العديد من الفرص الدراسية والتدريبية في مجال الإخراج التلفزيوني والفنون الجميلة، حتى إنه قضى 12 سنة من حياته وهو يتنقل ما بين عمان وكل من إيطاليا وفرنسا والسويد والولايات المتحدة والجزائر، حيث تلقى المزيد من الدورات والمنح الدراسية. وفي أواسط السبعينيات كان فؤاد ميمي يعد برنامجًا خاصًا بالفنون التشكيلية للتلفزيون الأردني، حيث كان البرنامج يساهم في نشر الثقافة الفنية، فضلًا عن تغطيته للمعارض التي كانت تقام في الأردن حينذاك. مارس فؤاد ميمي، من ناحية أخرى، تصميم الأزياء، واكتسب خبراته في هذا المجال من جولاته الأوروبية ولقاءاته مع مشاهير مصممي الأزياء، مثل إيف سان لوران، المصمم الفرنسي، الذي دعاه لزيارة باريس وحضور أحد أهم عروض تصميم الأزياء في حينه، وبعد أن شاهد سان لوران عينة من تصاميمه نصح ميمي باحتراف تصميم الأزياء وأن يأخذ هذا النوع من الفن بجدية. لكن ميمي الذي حصل على جوائز هامة في مجال تصميم الأزياء انشغل عن هذه المهنة بمشاغل أخرى، لا سيما العمل التلفزيوني، مفسرًا ذلك بقوله: “من كان ليهتم بتصميم الأزياء في الأردن حينذاك”؟!من الأزياء إلى التلفزيونتعاون فؤاد ميمي مع عدنان العلي، صديقه المقرب، وهو مخرج ومقدم برامج، في إنتاج سلسلة حلقات عن الفنون الجميلة تحت عنوان “موزاييك”، وعاد الصديقان ميمي والعلي ليخرجا ثلاثين فيلمًا وثائقيًا، بالتعاون مع الأديب الراحل جمال أبو حمدان، تحت عنوان “حدث هنا”. وبتمويل ياباني أخرجا معًا فيلمين وثائقيين عن البحر الميت. كما تعاون الثنائي مع مؤسسة أنور الحسين لمدة عشر سنوات، قاما خلالها بإنتاج مجموعة من الأفلام الوثائقية التي تعرّف بطبيعة الأردن السياحية والتاريخية والثقافية.حصل فؤاد ميمي على جائزة التاج الذهبي الأولى من مهرجان كازابلانكا للأفلام والتلفزيون، وذلك عن فيلمه التسجيلي عن “الخط العربي”. وفاز الفيلم نفسه بجائزة أولى أخرى حين عرض في أحد المهرجانات التونسية.على الرغم من قلة إقامته معارض شخصية ومحدودية مشاركته في المعارض الجماعية، جراء انشغاله بالعمل التلفزيوني وإخراج الأفلام الوثائقية، إلا أن معارضه المتباعدة لفتت انتباه العديد من الفنانين التشكيليين الكبار، مثل مهنا الدرة وعزيز عمورة، ويذكر هنا أن معرضه الشخصي الأول أُقيم في تشرين الأول/ أكتوبر 1975، في المجلس الثقافي البريطاني بعمان، وتلاه معرضان في جاليري عالية، وفي معهد غوته الألماني مطلع الثمانينيات.نماذج من أعمال فؤاد ميميوبعد أكثر من عشر سنوات عاد ميمي ليقيم معرضه الرابع، في المركز الثقافي الفرنسي بعمان في تشرين الثاني/ نوفمبر 1999. لكن العقدين الأخيرين شهدا تفرغه للرسم، حيث استضاف جاليري “نبض” معرضين لأعماله، ففي نيسان/ أبريل 2009 أقامت الصالة المذكورة معرضًا استعاديًا لأعماله، ضم نحو 80 لوحة تعكس تجارب الفنان منذ سبعينيات القرن الماضي. وعادت “نبض” لتقيم معرضًا ثانيًا لأعماله استمر لمدة شهرين في (تموز/ يوليو وآب/ أغسطس 2015)، وقد ضم مثل سابقه، 80 لوحة أنجزها خلال فترات زمنية متباعدة، أقدمها في سبعينيات القرن الماضي.توزعت أعمال فؤاد ميمي ما بين أربع “ثيمات” هي البورتريه والمشهد الطبيعي والعمارة المحلية والطبيعة الصامتة، وقد زاوجت تلك الأعمال ما بين الواقعية التعبيرية والانطباعية، بأسلوب شخصي طوره عبر سنوات طويلة من العمل الشاق ليصل به إلى “ما نراه اليوم من نضوج يضعه بين كبار الفنانين”، حسب تعبير الفنان الراحل مهنا الدرة.المتحف الوطني الأردني للفنون يحتفي بأعمال ميميعلى الرغم من وضعه الصحي الصعب، جراء إصابته، منذ سنوات، بكسر في الحوض، وعطل في رئته، وهبوط حاد في وزنه، إلا أن فؤاد ميمي واصل الرسم، بما في ذلك الرسم من الطبيعة البكر، حيث كان يتنقل ليرسم المشاهد القروية في أرجاء الأردن. وقد تتوجت مسيرته الفنية بالمعرض الاستعادي الذي أقامه له المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، في نهاية العام الماضي واختتم في كانون الثاني/ يناير 2026. وقد شغلت أعماله التي بلغت 103 لوحات فنية الطابقين الثاني والثالث من المبنى الرئيسي للمتحف. توزعت أعماله التي أنجزها خلال ستة عقود، والتي يعود أقدمها إلى عام 1975، على الثيمات الرئيسية التي لم يتخل عنها، وأولها الطبيعة الصامتة (والتي غالبًا ما تمحورت حول الزهور)، والمشهد الطبيعي ومن مفرداته العمائر القروية وأرتال أشجار الزيتون والسرو، أما الثيمة الأخيرة فهي الجسد البشري، ولا سيما الوجوه، أو “البورتريه”.الأميرة وجدان الهاشمي تفتتح معرض فؤاد ميمي في المتحف الوطني للفنون الجميلة التزم فؤاد ميمي غالبًا بأسلوبه الشخصي المميز الذي يراوح – كما أسلفنا – ما بين المدرستين الواقعية التعبيرية والانطباعية، ولم يحفل بالتحولات الأسلوبية التي عرفتها الفنون التشكيلية والبصرية في عصر ما بعد الحداثة، رغم اتصاله الوثيق بالفنون المعاصرة من خلال ترحاله في القارتين الأوروبية والأميركية، إلا أنه ظل وفيًا بموضوعاته أو “ثيماته” التي باتت بعرف الفنانين الحداثيين “موضة قديمة عفا عليها الزمن”، مثل موضوعات “الطبيعة الصامتة” أو “المشهد الطبيعي”، وحتى البورتريه. فلم ينجذب إلى المدرسة التجريدية وما بعدها. وحتى محاولات التشكيليين العرب المعاصرين لاستخدام الحروفية، بهدف خلق لوحة عربية معاصرة، لم تثر اهتمامه.وهكذا اختط أسلوبًا شخصيًا استنبطه ولم يغادره إلا لغايات التجويد أو التبسيط، يقع ما بين برزخين هما التعبيرية والانطباعية، مع قدر كبير من الاختزال حين يتعلق الأمر برسم الطبيعة، وقدر أكبر من التفصيل حين يرسم مفرداته من الطبيعة الصامتة. وهو أيضًا فنان واقعي المذهب حين يرسم وجهًا بشريًا، أو حين يقوم بدراسة عمل لغيره، مثل “وجوه الفيوم” الشهيرة، هي الوجوه المصرية المرسومة على توابيت الموتى أو (المومياوات) في المرحلة اليونانية – الرومانية من الحضارة المصرية. على صعيد المواد التي يستخدمها فؤاد ميمي في إنجاز لوحاته نجد أن غالبيتها منفذة بالألوان الزيتية على الخشب، وهما مادتان عريقتان في تاريخ الرسم، لكنهما تكادان تكونان مهجورتين من غالبية الفنانين المعاصرين. هذا مع حالات استثنائية نفذ فيها لوحاته بالألوان المائية على الورق، أو بالزيت على القماش أو الكرتون. وهكذا فإن ميمي الذي كان يومًا مصمم أزياء، حيث تفرض عليه مهنته استحداث موضة جديدة بين الحين والآخر، اختار أن يعمل في حقل الرسم “خارج الموضة”. وهو، بالمناسبة، ليس وحيدًا في هذا المضمار، حيث نجد فنانًا أردنيًا آخر، هو عمار خماش، يرتاح إلى الرسم بالألوان الزيتية على الخشب، وهما مادتان معمرتان، تمنحان المشاهد شعورًا قويًا بالثبات.مشاهد طبيعية من أعمال فؤاد ميمي في معرضه الاستعادي الذي لم يحمل اسمًا محددًا (ربما لصعوبة تلخيص مفرداته بعنوان محدد)، تتجاور الأعمال حسب موضوعاتها، لا حسب ترتيبها الزمني، حيث تحتل أعمال فؤاد ميمي التي تندرج تحت عنوان “الطبيعة الصامتة” في حائط واحد رغم تباعد زمن إنتاجها، وتتجمع أيضًا الأعمال التي تقع تحت مسمى “المشهد” أو “المنظر الطبيعي” في جدار ثانٍ، وهكذا دواليك. هنا نجد كما لو أن الزمن لم يحدث فروقًا كبيرة بين أعمال فؤاد ميمي، إذ نجد أن “عجينة” الألوان تكاد تكون واحدة، وضربات الفرشاة تنصاع لإيقاع متكرر الرتم، كما لو أن الزمن لا يتغير.يبقى أن نشير إلى أن الأعمال التي أنجزها خلال النصف الأول من العقد الحالي (2000 – 2025)، في ظروف صحية شديدة الصعوبة، شكلت علامة فارقة في مساره الفني، وتعد تتويجًا “ذهبيًا”، إن جاز التعبير، لرحلة عمره، لما تميزت به من اختزال وتقشف في رسمه لعناصر الطبيعة (كالأشجار والعمائر) ولتعامله مع عناصر الطبيعة والتشكيلات المعمارية المحلية، حيث تتصف بروح غنائية تخرجها عن المألوف في أعماله السابقة.*فنان بصري وباحث#ضفة ثالثة # مجلة ايايت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم