المجتمعات المغلقة ذات العقلية المنفتحة: كانتونات العيش السعيد … يلي متلنا تعو لعنا في خضمِّ زحام المدن الحديثة، وضجيجها الذي لا يهدأ، وصراعاتها اليومية التي تستنزف الروح قبل الجسد، تنشأ ظاهرة اجتماعية ملفتة: تجمعات سكنية مغلقة تحتضن أناسًا تتوق عقولهم ونوع ثقافة السعادة لديهم إلى نمط حياة مختلف. ليست هذه التجمعات .. التي نعرفها اليوم باسم “الكمباوندات” – مجرد أسوار خرسانية تفصل بين طبقة وأخرى، بل هي كانتونات صغيرة للعيش السعيد تجسيد معاصر لفكرة قديمة قدم الإنسان الرغبة في بناء عالم مصغر يحقق فيه المرء ما يعجز عن تحقيقه في العالم الكبير. … بين الانغلاق المكاني والانفتاح الذهنيقد يبدو المصطلح … “مجتمع مغلق بعقلية منفتحة” .. مفارقةً تناقضية. فالفيلسوف الفرنسي هنري برجسون، الذي وضع أسس التمييز بين المجتمع المنفتح والمجتمع المنغلق، رأى في الأخير نظاماً جامداً للقانون وللأعراف ، ثابتاً كالعقل المنغلق الذي يرفض التجديد. أما كارل بوبر، الذي طوّر هذه الفكرة وجعلها مشهورة، فعرّف المجتمع المغلق بأنه ذلك المجتمع الذي تُقمع فيه الأسئلة النقدية، وتُفرض عليه رؤية واحدة للحقيقة.لكن الظاهرة التي نتأملها هنا مختلفة. إنها مجتمعات مغلقة مكانيًا، بأسوارها وبواباتها الإلكترونية، ولكنها منفتحة ذهنيًا على قيمٍ راقية: التسامح، والإبداع، والوعي الذاتي، والتفهم المتبادل. إنها كانتونات صغيرة لا تغلق أبوابها على الجهل أو التزمت، بل تغلقها على الفوضى والابتذال واللا نظام اللذين يغمران العالم الخارجي.لماذا ينغلق الراقون … وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا تختار شرائح من البشر، تتمتع بصفات راقية ومستوى عالٍ من الوعي والتفهم، أن تنعزل في تجمعات سكنية مغلقة، بدلًا من الانخراط في نسيج المجتمع الأوسع …… البحث عن ملاذ ذو نقاء من طعم مختلف . إن العقلية المنفتحة، بفضولها الدائم ورغبتها في التعلم والنمو، تتعرض للإرهاق في محيط لا يشاركها هذه القيم. ففي المجتمع الأوسع، قد تواجه اللامبالاة، أو الجمود الفكري، أو حتى العداء للاختلاف. الكمباوند، في هذه الحالة، ليس هروبًا من المسؤولية، بل هو ملاذ ضروري للحفاظ على السلام الداخلي، واحتضان الإبداع، ورعاية التفكير النقدي الذي قد يخفت في بيئة لا تقدّره…. القيمة المضافة للرفقة المتجانسة. تشير الدراسات إلى أن التجمعات السكنية المخططة بعناية لا تقتصر على الأسوار، بل هي نظام تصميمي يسعى لتحقيق التوازن بين الأمان والإيقاع الاجتماعي. فحين يتجاور أناس يتشاركون القيم والاهتمامات، ينشأ نسيج اجتماعي كثيف وداعم. هذا لا يعني الانغلاق على الآخر أو رفض المختلف؛ بل يعني خلق مساحة آمنة حيث يمكن للقيم الراقية أن تزدهر دون أن تتعرض للتهشيم اليومي…. تجسيد “اليوتوبيا” الصغرى. عبر التاريخ، سعى الإنسان إلى بناء مجتمعات بديلة تعكس رؤيته المثلى للحياة. من جماعات “الشاكرز” التي عاشت في قرى معزولة، مارسة حياة منظمة وفق قيمها الخاصة، إلى تجارب “مونتي فيراتا” في سويسرا التي جمعت روادًا نبذوا قيود العصر الصناعي، يظل الحلم قائمًا: إمكانية إعادة اختراع المجتمع على نطاق ضيق. الكمباوندات المعاصرة هي امتداد لهذه الرغبة الإنسانية الأزلية، لكن بلغة العصر: مساكن فاخرة، وخدمات متكاملة، ومجتمع مصغر يمارس حياته وفق قواعده الخاصة.العيش السعيد في الكانتونات الصغرىلعل في النموذج السويسري ما يضيء هذه الظاهرة. فقد أظهرت الدراسات أن الكانتونات السويسرية التي تتمتع بقدر أكبر من الديمقراطية المباشرة والاستقلالية الذاتية، يسجل سكانها مستويات أعلى من السعادة. ففي كانتون بازل لاند، حيث أعلى درجة من الديمقراطية، كان السكان أكثر سعادة بشكل ملحوظ من كانتون جنيف الذي يتمتع بدرجة أقل.هذا الربط بين الاستقلالية المحلية والسعادة يحمل دلالة عميقة: حين يمتلك الأفراد القدرة على تشكيل بيئتهم المباشرة، وحين يعيشون ضمن مجتمع يشاركونه القيم ويشاركون في تقرير مصيره، ترتفع جودة حياتهم. الكمباوندات ليست أكثر من كانتونات حضرية صغرى، يسعى سكانها إلى تحقيق ذات النوع من الاستقلالية والتجانس الذي يفضي إلى العيش الرضيّ.بين الانعزال والاندماجغير أن هذه الظاهرة تطرح تساؤلات أخلاقية واجتماعية. أليس في الانغلاق المكاني تناقض مع الانفتاح الذهني؟ أليس في العزلة عن المجتمع الأوسع تخلي عن مسؤولية الإصلاح والتغيير … (( الحل الأخير بعد أن خابت كل طرق الإصلاح ))ربما يكون الجواب في التمييز بين نوعين من الانغلاق: انغلاق الجهل والجمود، وانغلاق الاختيار والوعي. الأول يرفض الآخر ويخاف منه، والثاني يختار محيطه ليكون أكثر قدرة على النمو والعطاء. الإنسان ذو العقلية المنفتحة لا ينغلق على العالم، بل ينغلق على بيئة تسمح له بأن يكون أكثر انفتاحاً وإبداعاً وعطاءً حين يعود إلى العالم الأوسع.في النهاية، تبقى كانتونات العيش السعيد – هذه المجتمعات المغلقة مكانياً والمنفتحة ذهنيا .. تعبيراً عن حاجة إنسانية عميقة .. الحاجة إلى مساحة تحترم تميز الفرد، وتدعم نموه، وتشاركه قيمه. إنها ليست دعوة إلى الانعزال، بل هي تذكير بأن الإنسان، حتى في أكثر لحظاته وعياً وانفتاحاً، يحتاج إلى وطن صغير يشعر فيه بأنه في بيته، قبل أن ينطلق ليواجه العالم الكبير … RAMI
#المثقفون السوريون.#مجلة ايليت فوتو ارت.


