لوحة أداء القسم عندما حضرت بين يدي الإله “بعل”: وهمست لنا أسرارها بحكاية ميثاق لا ينفصم..وإن الكلمة الصادقة هي أبقى من كل الإمبراطوريات
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في ثلاثينيات القرن الماضي كشفت لنا معاول بعثات التنقيب الأثرية في مدينة اوغاريت في منطقة الاكربول في رحاب معبد الإله “بعل” حيث أظهرت لنا المعاول عندما كانت تبحث عن تراب التاريخ لتكشف عن مشهدٍ تجمد فيه الزمن لآلاف السنين. شاهدة حجرية لم تكن مجرد لوحة من الحجر الكلسي بل كانت تجسيداً لأسمى القيم البشرية ألا وهو الوفاء بالعهد.
مشهد يجسد أداء القسم أصابع تلامس الخلود.
تخيلوا معي ذلك المشهد الطقسي المهيب رجلان يقفان وجهاً لوجه تفصل بينهما منضدة عالية وُضعت عليها ألواح الميثاق. لا مجال هنا للحركة العبثية فالجمود الذي يطغى على اللوحة ليس ضعفاً في فن النحات، بل هو “وقار القسم”.
مدّ كل منهما يده في ثبات لتتلاقى الأصابع فوق نص المعاهدة في حركة ترمز إلى التحام الإرادات.
وكأن النحات الاوغاريتي أراد أن يقول:
كما لا يتحرك هذا الحجر لا يتزعزع هذا الوعد.
إلا أن الفنان الذكي ترك لنا إشارات تدل على “عالمية” المدينة. وتوثيق بجمع للقاء حضارات لشخصين ربما كانا ملكين من مدينتين مختلفتين
أو ممثلين لشعبين اجتمعا في مدينة أوغاريت ليصيغا مستقبلاً من السلام تحت ظلال أزهار اللوتس التي تتوج رؤوسهما.
هذه اللوحة تخبرنا أن هذه المدينة العظيمة لم تكن مجرد ميناء تجاري هام على حوض البحر الأبيض المتوسط
بل كانت “داراً للعدل”.
فإقامة طقس القسم بالقرب من معبد الإله “بعل” تعني أن الميثاق لم يكن بشرياً فحسب بل كان بضمانة إلهية مما يجعل الحنث به خطيئة لا تُغتفر.
في لوحة “آداء القسم” تظهر زهرة اللوتس فوق رؤوس الشخصيات أثناء أداء القسم يعني أن هذا الميثاق “حي ومتجدد”.
هو ليس اتفاقاً لمرة واحدة بل هو عهد يولد مع كل شروق شمس ويستمد قدسيته من دورة الحياة الأبدية.
حيث كانت تُعد زهرة اللوتس في فنون الشرق القديم رمزية الولادة المتجددة والخلود وخاصة في أوغاريت رمزاً يتجاوز الزينة الجمالية.
فهي لغة بصرية بليغة تحمل معاني لاهوتية وسياسية عميقة
حيث يظهر الشخص جهة اليمين بـ تاج مخروطي عالٍ (يشبه تيجان الملوك أو الآلهة في سوريا القديمة) بينما الشخص الآخر يرتدي عصابة رأس بسيطة.
هذا التباين يشير إلى أن أوغاريت كانت مركزاً للدبلوماسية الدولية. اللوحة قد تمثل معاهدة بين ملك أوغاريت (أو ممثله) وبين مبعوث من مملكة أخرى أو زعيم قبلي. المصافحة وملامسة الأصابع فوق “المنضدة” تعني المساواة أمام القانون والعهد، بغض النظر عن اختلاف الملابس أو المكانة الطبقية.
والمنضدة التي تتوسط الشخصين ليست قطعة أثاث عادية بل هي المرتكز الذي وُضعت عليه ألواح الميثاق.
“مذبح الكلمة”
وضع اليد على الألواح يشبه وضع اليد على الكتب المقدسة في أداء الأقسام الحالية. المنضدة هنا تعمل كـ “حاجز مقدس” يمنع الخيانة وكأنها ميزان العدالة الذي يفصل ويجمع في آن واحد.
الجمود في حركة الأرجل وتوازي النظرات يعكس مفهوم “الثبات”. في الفن الأوغاريتي الحركة تُخصص للصيد أو الحرب أما السكون والوقوف المتواجه فيُخصص للطقوس الدينية والمعاهدات الرسمية.
الرسالة: “نحن هنا شهود على هذا العهد ولن نتراجع عنه خطوة واحدة”.
لوحة أداء القسم في أوغاريت هي وثيقة حقوقية قبل أن تكون عملاً فنياً.
تخبرنا أن الإنسان السوري القديم قد آمن بأن “العقود شريعة المتعاقدين” وأن الزهور “اللوتس” ليست للجمال فقط بل هي حارسة للوعود التي يجب ألا تموت أبداً.
أوغاريت.. المدينة التي خبأت سر الوجود في طيات حجر لا تزال تهمس لنا عبر هذه اللوحة
” بأن الكلمة الصادقة هي أبقى من كل الإمبراطوريات.”
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎


