القطب المتجمد الشمالي ارشيف عالمي للحياة يحتفظ بأسرار البيئية الفريدة.

غرق الشطر الغربي من الكرة الأرضية في سكونٍ جيولوجي مهيب امتد لملايين السنين، حيث انفردت الطبيعة العذراء بحكم مملكة شاسعة امتدت من ثلوج القطب الشمالي إلى أدغال الجنوب المطيرة. هيمنت الفصائل الحيوانية العملاقة، كالماموث والماستودون والنمور السيفية، على مروج السافانا والغابات الكثيفة، سادةً لموطنٍ بكرٍ تحكمه غريزة البقاء ودورات المناخ وحدها، وظلت تلك الأرض المعزولة تحتفظ بأسرارها البيئية الفريدة، بانتظار تلك اللحظة الفاصلة التي ستتصل فيها يابسة الشرق بيابسة الغرب، لتعلن بدء الفصل البشري في حكاية العالم الجديد.بدأت ملامح هذا التحول الجيولوجي قبل نحو 35,700 سنة، حين شرعت القمم القطبية في احتجاز مياه المحيطات تدريجياً، كاشفةً عن أطراف اليابسة مع انخفاض المنسوب. وتوجت هذه العملية خلال ذروة العصر الجليدي الأخير (بين 26,000 و19,000 سنة خلت)، حين أحكم الصقيع قبضته وحبس المياه داخل قوالب متجمدة عملاقة، ليهبط منسوب البحر عالمياً إلى أدنى مستوياته، مبرزاً الجسر الأرضي العظيم الذي وصل أخيراً بين سيبيريا الشرقية وألاسكا الغربية. حملت تلك الأرض المفقودة اسم “بيرنجيا”، وامتدت كسهل عشبي شاسع ومفتوح بعرض مئات الأميال، لتشكل قارة صغيرة خصبة وملاذاً آمناً ازدهرت فيه الحياة البرية، حيث جابت قطعان الماموث الصوفي، والبيسون العملاق، والخيول البرية بحثاً عن العشب وسط قسوة الصحراء القطبية.استجابت جماعات صغيرة من الصيادين الآسيويين لنداء الغريزة والجوع، فتعقبت آثار هذه القطعان الضخمة عبر السهوب، مغادرةً ديارها في سيبيريا لتتوغل شرقاً في قلب بيرنجيا قبل حوالي 25,000 سنة. حمل هؤلاء الرواد الأوائل معهم شجاعة نادرة وأدوات حجرية مشحوذة بدقة، وتكيفوا بعبقرية مع بيئة التندرا القاسية مستعينين بالملابس الفروية السميكة وتقنيات إشعال النار المتطورة. فرضت الجغرافيا عليهم البقاء في عزلة بيرنجيا لفترة طويلة امتدت لآلاف السنين (حتى 15,000 سنة مضت، فيما يُعرف بوقفة بيرنجيا)، مما سمح لتركيبتهم الجينية والثقافية بالتمايز، ليصبحوا الآباء المؤسسين لسلالة جديدة ومستقلة تماماً عن أصولهم الآسيوية.ومع ارتفاع درجات حرارة الأرض وبدء ذوبان الجليد العظيم منذ 19,000 سنة مضت، فُتحت بوابات الطبيعة. ورغم أن الممرات البرية بين الصفائح الجليدية القارية (لورنتيد وكورديليران) تأخر انشقاقها حتى 13,800 سنة مضت، إلا أن المسارات الساحلية كانت قد سبقتها بقرون، دافعةً البشر للتدفق جنوباً نحو أراضٍ بكر لم تطأها قدم إنسان من قبل. انتشروا بسرعة مذهلة غطت سهول أمريكا الشمالية، وعبرت برزخ بنما، وتوغلت في غابات الأمازون حتى وصلت إلى أقصى طرف في “أرض النار” جنوباً.وتقدم النظريات العلمية الحديثة، المدعومة بالأدلة الأثرية والجينومية، تفسيراً لهذا الانتشار السريع السابق لفتح الممرات البرية. إذ ترجح فرضية “طريق عشب البحر” (Kelp Highway) أن هؤلاء الرواد كانوا بحارة مهرة استخدموا قوارب جلدية صغيرة للملاحة بمحاذاة الساحل الغربي الخالي من الجليد قبل نحو 17,000 سنة. اقتات هؤلاء على غابات عشب البحر الغنية بالأسماك، مما سمح لهم بالتحرك السريع والوصول إلى أمريكا الجنوبية في وقت قياسي (مثل موقع مونتي فيردي في تشيلي الذي استوطن قبل 14,500 سنة)، مؤكدين أن غزو الأمريكتين كان إنجازاً بحرياً بقدر ما كان رحلة برية.# القارة المتجمدة ارشيف التاريخ# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم