القبيلة في المغرب: من البنية التقليدية إلى التحولات المعاصرة
تبدو القبيلة كعنصر حي داخل التركيبة الاجتماعية المغربية
أسامة باجي
صحافي وكاتب مغربي
في الطريق إلى القرية، لا تحتاج كثيرًا لتفهم أن القبيلة لم تغادر المكان. يكفي أن تجلس قليلًا مع بعض الرجال أمام دكان صغير، أو أن تستمع لحديث عابر عن عرس أو خلاف على أرض، حتى تبدأ خيوط الحكاية في الظهور. هناك، حيث يُستحضر اسم “الدوار” أو “تاقبيلت” (باللغة الأمازيغية) قبل اسم الشخص، وحيث تُروى الحكايات عن زمن “كان كل شيء فيه واضحًا”، تعود القبيلة لتفرض نفسها، كحضورٍ يتغير شكله ولا يختفي.
بين هذا وذاك، يتشكل سؤال هذا الملف: ماذا بقي من القبيلة في المغرب؟ وهل نحن فعلًا أمام نهاية بنية تقليدية، أم أمام تحول هادئ يعيد ترتيب الأدوار دون أن يعلن القطيعة؟
هكذا، نحاول الاقتراب من هذه التحولات كما تُعاش وتُفهم اليوم، انطلاقًا من أصوات باحثين ومشاهد من الواقع، حيث تختلط الذاكرة بالممارسة، والتاريخ باليومي، في صورة مجتمع لا يقطع مع ماضيه، بل يعيد التفاوض معه باستمرار.
القبيلة: من التأطير إلى التحول
موحى الدهبي، باحث في علم الاجتماع بجامعة “سيدي محمد بن عبد الله” بفاس، يرى خلال حديث لمجلة “ميغازين” أن “فهم التحولات التي عرفتها القبيلة في المجتمع المغربي يقتضي مقاربة تحليلية تقوم على تفكيك هذه التحولات عبر أربعة مستويات أساسية: المستوى السياسي، والمستوى الاقتصادي، والمستوى الاجتماعي، والمستوى الثقافي”، معتبرًا أن “هذه المستويات تتيح قراءة أكثر تركيبًا لمسار انتقال القبيلة من بنيتها التقليدية إلى تمظهراتها المعاصرة داخل المجتمع المغربي”.
ويشرح المتحدث في حديثه لـ”ميغازين” أن التحول الثقافي في القبيلة يُعد من أبرز المجالات التي اشتغل عليها عدد من الباحثين في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا المغربية، مشيرًا في هذا السياق إلى أعمال عبد الله حمودي، الذي بيّن أن “القبيلة لم تعد تؤطر حياة الفرد والجماعة كما كان الأمر في السابق، بل تحولت إلى إطار رمزي وشكلي يتم استحضاره أساسًا في المناسبات الاجتماعية والطقوس الجماعية”. ويوضح الدهبي أن القبيلة كانت في الماضي تشكل بنية ثقافية معيشة يوميًا، لكنها انتقلت تدريجيًا إلى مستوى رمزي يعاد استحضاره ضمن الذاكرة الجماعية.
ويورد الباحث أن هذا التحول يتجلى أيضًا في استمرار عناصر من التراث اللامادي، مثل الطقوس الاحتفالية والأغاني الجماعية، مستحضرًا أعمال نور الدين الزاهي، حيث ما تزال هذه الممارسات تمثل مخزونًا رمزيًا وهوويًا للقبيلة، وتُستدعى باعتبارها تعبيرًا عن الانتماء الجماعي.
أما على المستوى الاقتصادي، فيرى أن القبيلة انتقلت من إطار ينظم اقتصادًا معيشيًا قائمًا على التضامن واستغلال الموارد المحلية، إلى بنية تتفاعل مع اقتصاد السوق. ويوضح أن أنماط الإنتاج التقليدية، المرتبطة بالزراعة والتعاون الجماعي، تراجعت بفعل انتشار الاقتصاد النقدي، غير أن ذلك لم يُلغِ دور القبيلة، بل أعاد تشكيله في صورة شبكات دعم وتضامن، خاصة عبر القرابة والتحويلات المالية ومبادرات المساندة المحلية.
وعلى المستوى الاجتماعي، يبيّن أن القبيلة كانت تشكل الهيكل المركزي الذي ينظم حياة الفرد والجماعة من خلال نظام القرابة والعصبية والولاء، قبل أن يتراجع هذا الدور بفعل التحضر والهجرة وانتشار التعليم. ومع ذلك، يؤكد أن القبيلة ما تزال حاضرة في بعض الممارسات الاجتماعية، خصوصًا في المناسبات كالأعراس والعزاء، حيث تستمر أشكال التعاون والدعم، بما يعكس استمرارها كإطار رمزي يحافظ على بعض مظاهر التضامن التقليدي.
أما سياسيًا، فيؤكد المتحدث أن القبيلة انتقلت من فاعل مستقل يمتلك سلطة تدبير الشأن المحلي والتفاوض مع السلطة المركزية، إلى فاعل وسيط داخل منظومة الدولة الحديثة. ويوضح أنها ما تزال حاضرة في المجال الانتخابي، حيث تُستثمر في الحشد وبناء الشرعية المحلية. وفي هذا السياق، يحيل إلى تحليلات محمد الطوزي، التي أبرزت كيف تم إدماج البنى التقليدية، ومنها القبيلة، داخل الحقل السياسي الحديث.
ويخلص الدهبي إلى أن القبيلة في المغرب لم تختفِ، بل اندمجت في السياق المجتمعي الحديث وتغيرت وظائفها، إذ لم تعد بنية شاملة تؤطر مختلف جوانب الحياة، بل أصبحت إطارًا رمزيًا وشبكة علاقات اجتماعية تستمر في التأثير داخل المجتمع المغربي المعاصر.
اتصال أم انفصال؟
رغم أهمية التقسيم الذي طرحه الباحث، إلا أن السؤال المركزي حول طبيعة الظاهرة القبلية نفسها: هل نحن أمام بنية قابلة للتجزئة إلى مجالات منفصلة، أم أمام نسق اجتماعي “كلي” تتداخل فيه الأبعاد بشكل عضوي؟
فالتجربة الأنثروبولوجية الكلاسيكية، كما نجد عند كليفورد غيرتز، تميل إلى اعتبار أن ما هو اقتصادي أو سياسي داخل المجتمعات التقليدية لا ينفصل عن الرمزي والثقافي، بل يُفهم من خلاله. من هذا المنظور، يمكن القول إن التحليل الرباعي في النص لا يعكس فقط الواقع، بل يعيد أيضًا إنتاج طريقة حديثة في التفكير قد لا تنطبق بالكامل على موضوعها.
وفي المستوى السياسي، ينسجم تحليل الدهبي مع ما ذهب إليه محمد الطوزي بخصوص إدماج البنيات التقليدية داخل الحقل السياسي الحديث. غير أن فكرة انتقال القبيلة من فاعل مستقل إلى فاعل وسيط يمكن توسيعها بالقول إن هذا “الوسيط” ليس مجرد موقع ثانوي، بل هو أحيانًا موقع استراتيجي داخل آليات بناء الشرعية المحلية.
إذن، القبيلة هنا لا تُستعمل فقط من طرف الدولة أو الفاعلين السياسيين أو اقتصاديين، بل تعيد أيضًا توظيف نفسها داخل اللعبة الانتخابية، مما يعكس نوعًا من التفاوض المستمر بين التقليدي والحديث، بين المُعطى السياسي والاقتصادي والموقع الاجتماعي.
القبيلة بين الاستمرار وإعادة التشكُّل
شيماء اعسكري، باحثة متخصصة في التاريخ والتراث، تقول في حديثها لـ”ميغازين”: “فهم القبيلة في المغرب لا يمكن أن يقتصر على اعتبارها مجرد بقايا من الماضي أو مؤسسة تقليدية انتهى دورها، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها بنية تاريخية متحركة أعادت تشكيل نفسها باستمرار داخل شروط وسياقات مختلفة، من مرحلة المخزن إلى فترة الاستعمار، ثم الدولة الحديثة، وصولًا إلى تحولات السوق والهجرة والديناميات الاجتماعية المعاصرة”.
وتوضح المتحدثة أن “المقاربة السوسيو–تاريخية تكشف أن القبيلة لم تختفِ، بل انتقلت من كونها إطارًا شاملًا ينظم السلطة والعلاقات الاجتماعية والقرابية وتدبير الموارد، إلى أشكال جديدة تتمثل في الشبكات والرموز والذاكرة والانتماء. كما تشير إلى أن “هذا التحول لا يعني القطيعة مع الماضي، بل يعكس سيرورة إعادة تركيب مستمرة للبنية القبلية داخل المجتمع المغربي الحديث، حيث أعيد توظيفها وفق تحولات السياق الاجتماعي والسياسي”.
وفي هذا الإطار، تورد الباحثة أن “العودة إلى التراث الفكري الكلاسيكي، خاصة مع ابن خلدون، تتيح مدخلًا تأسيسيًا لفهم القبيلة، إذ اعتبر أن التاريخ هو علم بالعمران البشري، وأن التنظيمات الاجتماعية، ومن ضمنها القبيلة، تنتج أشكالًا من السلطة والدول”. كما تؤكد، في السياق ذاته، أن مفهوم “العصبية” عند ابن خلدون “لا يقتصر على رابطة الدم، بل يشمل أيضًا القدرة على إنتاج التماسك والولاء والتعبئة داخل مجال اجتماعي وترابي وسياسي محدد، وهو ما جعل القبيلة تاريخيًا وحدة للتضامن والتعبئة والتفاوض، سواء في علاقتها مع السلطة المركزية أو في استقلالها عنها في بعض الفترات والمجالات”.
هنا نفهم من حديث الباحثة أن عددًا من الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية التي اهتمت بالقبيلة أبرزت أن أنظمة النسب المتشعبة، إلى جانب دور الوسطاء الدينيين، ساهمت في الحفاظ على التوازن داخل المجتمعات المحلية، خاصة في الفضاءات التي لم تكن الدولة المركزية قادرة على اختراقها، مثل المناطق الجبلية. إذن، نفهم من خلال حديث المتحدثة أن هذه الدراسات بيّنت أن القبيلة لم تكن مجرد رابطة قرابة فقط، بل كانت آلية لتنظيم التوازنات الاجتماعية، وحل النزاعات، وتدبير الاستقرار المحلي دون تدخل خارجي يربك حسابات القبيلة.
كما توضح اعسكري أن “مرحلة ما بعد الاستقلال شهدت مراجعات نقدية لهذه التصورات، حيث تم تجاوز القراءات الاختزالية التي قدمتها بعض الدراسات الكولونيالية، ليتم النظر إلى المجتمع المغربي باعتباره مجتمعًا مركبًا تتجاور داخله أنماط متعددة: قبلية، ومخزنية، وفلاحية، ورأسمالية”، وترى في هذا السياق أن القبيلة “لم تعد تُفهم كبنية مغلقة، بل كعنصر ضمن تركيب اجتماعي معقد ومتداخل”.
وتؤكد المتحدثة أن “القبيلة في المرحلة المعاصرة اكتسبت وظائف وأبعادًا جديدة، تتجلى بشكل واضح في عدد من القضايا الراهنة، مثل تدبير المراعي الجماعية، حيث لا تزال الأعراف القبلية تلعب دورًا مهمًا في حل النزاعات، في ظل محدودية فعالية القوانين الوضعية في بعض الحالات. كما تشير إلى حضور القبيلة في المجال الانتخابي، حيث يستمر الانتماء القبلي كعنصر مؤثر في توجيه السلوك التصويتي وبناء الشرعية المحلية”.
وتضيف أن إشكالات الأراضي السلالية تمثل بدورها مجالًا آخر يتجلى فيه استمرار منطق القبيلة، إلى جانب تداخلها مع مؤسسات الدولة الحديثة، سواء عبر الجماعات الترابية أو الأحزاب السياسية أو النسيج الجمعوي، فضلًا عن دورها كوسيط داخل شبكات الهجرة، سواء الداخلية أو الخارجية.
وتخلص الباحثة إلى أن التحولات التي عرفتها القبيلة في المغرب يمكن قراءتها عبر أربع ديناميات أساسية:
تآكل وظيفتها السياسية المباشرة مع صعود الدولة الحديثة ومؤسساتها القانونية والإدارية.
تحول أشكال التضامن من نمط محلي تقليدي إلى تضامن شبكي يتوزع بين القرابة والهجرة والجمعيات والروابط المهنية.
إعادة إنتاج الزعامة، حيث لم تعد قائمة فقط على النسب أو المكانة التقليدية، بل أصبحت ترتبط أيضًا بالموارد الاقتصادية والقدرة على الوساطة مع الدولة.
صعود فاعلين جدد داخل المجال القبلي، من بينهم النساء، خاصة في قضايا الأراضي السلالية، والشباب الحضريون، والفاعلون الجمعويون.
وفي ضوء ذلك، تشير الباحثة إلى أن المجال القبلي لم يعد بنية مغلقة كما كان يُتصور في السابق، بل أصبح مجالًا منفتحًا، يتفاعل بشكل دينامي مع التحولات الاجتماعية والسياسية، ويرتبط بعلاقات متشابكة مع السلطة المركزية والإدارة، ما يعكس استمرارية القبيلة في صيغة جديدة داخل المجتمع المغربي المعاصر.
هل تصلح الخلدونية لفهم القبيلة؟
رغم ما يُقدمه طرح الباحثة؛ نجد أنفسنا أمام إشكال إبستيمولوجي دقيق: إلى أي حد يمكن استعمال مفاهيم خلدونية مثل “العصبية” لقراءة تحولات معاصرة دون الوقوع في نوع من الإسقاط التاريخي؟ بمعنى آخر، هل نحن أمام استمرارية فعلية في البنية، أم أمام استمرارية في المفهوم فقط تُخفي تحولات أعمق في طبيعة الروابط الاجتماعية؟
وعندما تشير الباحثة إلى قضايا مثل الأراضي السلالية أو تدبير المراعي، فإنها تلامس نقطة تقاطع حاسمة بين القانون والعرف، بين الرسمي وغير الرسمي. غير أن هذا التقاطع يمكن تعميقه أكثر بالقول إننا لسنا فقط أمام “تعايش” بين نظامين، بل أمام تفاوض مستمر بينهما، حيث يعاد تعريف الملكية، والشرعية، والحق، عبر تفاعلات يومية بين الفاعلين المحليين ومؤسسات الدولة. هذا ما يجعل القبيلة فاعلًا ليس فقط اجتماعيًا أو رمزيًا، بل أيضًا قانونيًا–عمليًا في بعض السياقات.
هكذا لا يمكن النظر إلى القبيلة في المغرب باعتبارها أثرًا من الماضي أو بنية تقليدية انتهى دورها، بل باعتبارها مجالًا اجتماعيًا متحولًا يعيد إنتاج نفسه داخل سياقات تاريخية وسياسية واقتصادية متعاقبة. فاستمرار حضورها اليوم لا يعني ثبات وظائفها، بل يعكس انتقالها من إطار شامل ينظم السلطة والعلاقات الاجتماعية إلى شبكة من الرموز والانتماءات والوساطات التي تتقاطع مع مؤسسات الدولة الحديثة.
هكذا، تبدو القبيلة كعنصر حي داخل التركيبة الاجتماعية المغربية، يتكيف مع التحولات ويعيد تشكيل أدواره باستمرار، بما يجعلها جزءًا من فهم أوسع لدينامية المجتمع وليس مجرد بقايا مرحلة تاريخية.
#ميغازين#مجلة ايليت فوتو ارت..


