يمكن ابتكار التجريد المستوحى من الطبيعة إما من خلال التقنيات الفوتوغرافية المتقدمة أو عبر استغلال الظواهر الطبيعية نفسها. فالتجريد هو عملية تركيز مكثف على الشكل، النمط، أو اللون، أو تشويه هذه العناصر لدرجة تجعل الصورة الأصلية غير واضحة للعيان؛ وبذلك تصبح الأعمال التجريدية ابتكارات فنية أكثر منها تمثيلاً للواقع.
التقنية مقابل الطبيعة
بينما تعتمد العديد من مجالات التصوير على تجارب المختبرات المظلمة المعقدة — مثل تقنيات “سولارايزيشن” والفصل اللوني والتركيب (المونتاج) — فإن مصور التاريخ الطبيعي لا يحتاج بالضرورة إلى هذه الحيل الصناعية. بدلاً من ذلك، عليه أن يتبنى “نظرة جديدة” للأشياء من حوله.
مصادر التجريد في العالم الطبيعي
تزخر الطبيعة بمصادر لا حصر لها للأشكال التجريدية، ومن أبرزها:
- التمويه الحيواني: كيف تحاول الحيوانات الهروب من الاكتشاف عبر إخفاء أشكالها وأنماطها داخل “موزاييك” طبيعي من الضوء والظلال.
- تأثيرات القوى الفيزيائية: تظهر الأنماط التجريدية في تموجات الرمال، وعلامات نحت التيارات المائية، والأشكال الغريبة للحمم البركانية، ودوامات المياه، وحتى الأشجار التي أعادت الرياح تشكيل أغصانها.
- التشويه الضوئي: تلعب الفيزياء دوراً في خلق التجريد من خلال انكسار الضوء في الماء، أو الانقلابات الجوية التي تنتج “السراب”. كما تساهم الانعكاسات على الأسطح غير المستوية في تشويه الواقع وتحويله إلى لوحة فنية.
- ظاهرة قوس قزح: يُعد قوس قزح مثالاً حياً للتجريد الطبيعي، حيث تعمل قطرات المطر المتساقطة كمنشور زجاجي يحلل ضوء الشمس الأبيض إلى أطواله الموجية الملونة المكونة له.

تزخر الطبيعة بأنماط وألوان مذهلة تظهر في أدق تفاصيلها؛ فمن الألوان المتقزحة الناتجة عن طبقة رقيقة من الزيت فوق سطح الماء، إلى تلك الألوان الطبيعية الساحرة في صدف “عرق اللؤلؤ” وأجنحة بعض الفراشات، وصولاً إلى بعض المعادن التي تتوهج بجمال خاص عند عرضها تحت الأشعة فوق البنفسجية.
كيف يقتنص المصور الصور التجريدية؟
يمكن للمصور الفوتوغرافي استغلال هذه التجريدات الطبيعية عبر عزلها عن سياقها المحيط. ويتم ذلك من خلال عدة تقنيات فنية تهدف إلى إخفاء معالم الأصل وإبراز النمط الجمالي الخالص:
- اللقطات القريبة (Close-ups): عبر الاقتراب الشديد من الهدف وتعمد حذف أي أدلة بصرية تشير إلى أصله، مما يجعل المشاهد يركز على اللون والشكل فقط.
- التلاعب بالإضاءة: اختيار نوع من الإضاءة يبرز النمط التجريدي ولكنه يخفي الجوانب التي تساعد المشاهد على تحديد اتجاهاته؛ فعلى سبيل المثال، إلغاء الظلال تماماً قد يحول جسماً ثلاثي الأبعاد وعالي الملمس إلى نمط لوني مسطح ثنائي الأبعاد.
- التحكم في عمق المجال والعدسات: يمكن تقليل “عمق التركيز” بشكل حاد، أو استخدام عدسات “عين السمكة” (Fish eye) ذات البعد البؤري القصير جداً لتشويه المنظور وخلق رؤية غير مألوفة.
- الأدوات المساعدة: وضع مرشحات ملونة، أو مرشحات “التركيز الناعم”، أو استخدام المنشور (Prism) والزجاج المنحني أمام العدسة لخلق تأثيرات بصرية مشوهة ومبتكرة.

فن التقاط اللحظة: بين صدفة الطبيعة وسحر الألوان
يعتمد التصوير الفوتوغرافي الناجح على مزيج فريد من الملاحظة الدقيقة، واستخدام التقنيات المناسبة، وأحياناً الكثير من الحظ. تبرز الصورة الفوتوغرافية كأداة لتوثيق الجمال العفوي والتفاصيل الدقيقة التي قد تغفل عنها العين المجردة.
تشوهات اللحظة العفوية
في عالم التصوير، تُعتبر “اللقطات الخاطفة” هدايا غير متوقعة للمصور. في إحدى التجارب، لعبت الصدفة دوراً كبيراً عند رصد سمكة “الببغاء” وهي تسبح بالقرب من الشاطئ. وبفضل استخدام عدسة مقاس 135 ملم، أمكن تأطير المشهد بدقة عالية.
ما جعل هذه اللحظة استثنائية هو تداخل حركة الأمواج مع لحظة التصوير؛ حيث تسببت التموجات المائية في تشويه صورة السمكة، محولةً إياها من مجرد صورة بورتريه عادية ” (Motor Drive) لالتقاط سلسلة من الصور المتتابعة.
ألوان قوس قزح في صدفة “باوا”
بعيداً عن حركة الماء، ننتقل إلى التفاصيل الدقيقة للأجسام الساكنة، وتحديداً صدفة الـ “باوا” النيوزيلندية، المعروفة علمياً باسم (Haliotis iris). تشتهر هذه الصدفة بألوانها الرائعة التي تظهر بوضوح بعد إزالة العوالق عنها وصقل سطحها، حيث يشع سطحها بتموجات ساحرة من اللونين الأزرق والأخضر.
لإبراز هذا الجمال في تصوير “الماكرو” (التصوير الدقيق)، تم استخدام إضاءة الألياف البصرية لإنارة جزء صغير جداً من الصدفة. ومن خلال تغيير زاوية الضوء المسلط، يتغير مزيج الألوان بشكل حيوي، مما يمنح المصور لوحة فنية متغيرة تعكس روعة التكوين الطبيعي.

المصادر
The Book Of Nature Photography
Heather Angel
أيليت فوتو أرت
elitephotoart.net


