“الأرض الحرام” إلى سماء اللا أحد
بانا بيضون
الارض الحرام” (No Man’s Land)، بحسب ما يوضح الفنان اللبناني–الفلسطيني علاء ميناوي في عرضه المسرحي الجديد، هي أرض اللا-أحد، أو على نحو أدق هي المنطقة التي تقع على الحدود الفاصلة ما بين الدول. وقد اختار هذه التسمية تبعًا لترجمة غوغل العجيبة للمصطلح، فقرر تبنيها والانطلاق منها. المسرحية في بنيتها تعتمد على تصوير عمل يبدو وكأنه قيد الإنشاء والتجريب. يفتتح المخرج العمل بوصفه مقدمًا له وأيضًا ناقدًا له، وفي حين آخر يدخل دور المؤدي في العرض نفسه، وهو يراوح ما بين هذه الأدوار الثلاثة التي تتداخل وأحيانًا تتواجه.الممثل الرئيسي في المسرحية هو الفلسطيني وجدي خالد من نابلس، الذي تكشف سيرته الذاتية عن مسار غير تقليدي اتخذه من امتهانه لفنون السيرك وألعاب التوازن وصولًا إلى المسرح. الأرض الحرام هي أرض اللا-أحد، ومن هو اللا-أحد الجدير بسكنها أو نفيه إليها قد لا يكون سوى الفلسطيني، كما يصوّر العرض أو كما يريد العالم. النص المرافق للعرض قد يكون وافي الشرح، لكن ركيزة العمل الرئيسية هي ذلك المشهد السوريالي البدائي للفلسطيني وجدي خالد المنكب على الحفر وإعادة الحفر في بقعة التراب الصغيرة المهداة له على أرض المسرح. إن المسرح هنا يصبح رمزًا بحد ذاته، فالجمهور يشاهد هذا العالم الخارجي الذي يشاهد هذا الفلسطيني المحاصر في هذا الإطار العبثي بلا قدرة على إحداث أي تغيير فعّال. إنه مشهد يعيد نفسه إلى ما لا نهاية، كمثل أسطورة سيزيف الذي يحمل الصخرة إلى أعلى الجبل ثم سرعان ما تتدحرج ليعود إلى خط البداية. الحوار ما بين المخرج علاء ميناوي والممثل وجدي خالد يحوي في طياته عدة ازدواجيات، فهو ما بين المخرج والممثل، وما بين مؤديين أو ممثلين، وهو أيضًا حوار ما بين المخرج ونفسه، أو ما بين الداخل وخيالات العالم الخارجي. يفتتح المخرج علاء ميناوي العمل بوصفه مقدمًا له وأيضًا ناقدًا له، وفي حين آخر يدخل دور المؤدي في العرض نفسهفلسطين حاضرة في هذا العمل من خلال النص ومن خلال رمزية المشهد الذي يسعى عبر التجريد لتمثيلها على طريقته. فالممثل وجدي خالد يضحي بجسده وقطعة الأرض، هذه البقعة من المسرح المسجون داخلها، رمزًا لها. المخرج علاء ميناوي، في دور المخرج الذي يؤديه في العرض، يصبح أيضًا رمزًا في بعض المقاطع لصورة عن سلطة خارجية تتحكم بالممثل وجسده وبما يمثله. إنها سلطة المخرج التي، بمطلقيتها، قد تتماهى مع أي سلطة رمزية، وذلك يبدو مقصودًا، بل هو في بنية مخيال هذا العمل. الإيقاع الدرامي للعرض ينطلق من الحديث اليومي أو العادي ليبني شيئًا فشيئًا مشهديته وقصته، فيتدرج من الخافت إلى لحظة الذروة تقريبًا التي يختتم بها العرض، وذلك يباغت المشاهد إلى حد ما على نحو إيجابي.النص حميمي سلس، يسعى علاء ميناوي من خلاله لأن يقص علينا جانبًا من علاقته الشخصية بالواقع الفلسطيني ووقع الإبادة عليه، مفضيًا بنا إلى أسئلة تراودنا جميعًا. فالمنحى النقدي الذي يحاول أن يعبر إليه النص يتمحور حول سؤالين أساسيين: وقع الإبادة على العالم الخارجي وطريقة تعامله معها، ووقعها علينا سواء كفلسطينيين أو كعرب أو حتى كلبنانيين. المخرج ينطلق من الشخصي ليصور تجربة أكثر عمومية عما أحدثته الإبادة التي تعرضت إليها غزة في الوعي الجماعي. ما هو إيجابي في النص أنه، وإلى حد ما، يجنح إلى النقد الذاتي، فهو يسخر في بعض المقاطع من العجز الذي قد يحسه المرء ويحاول التستر عليه، سواء عبر ما يمكن وصفه بفكرة تحرير فلسطين افتراضيًا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أو الحلم ببطولات وهمية يفشل المرء في تنفيذها. مثالًا على ذلك الفكرة التي راودت المخرج بمحاولة عبور الحدود، لكنه سرعان ما تراجع عنها. هي أحلام ببطولات افتراضية انتهت بعودة الجمع إلى حياته الاعتيادية، مستسلمًا لعجزه أو غضبه.”ما هو إيجابي في النص أنه يجنح إلى النقد الذاتي، فهو يسخر في بعض المقاطع من العجز الذي قد يحسه المرء ويحاول التستر عليه، سواء عبر ما يمكن وصفه بفكرة تحرير فلسطين افتراضيًا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أو الحلم ببطولات وهمية يفشل المرء في تنفيذها”في هذا النقد الذاتي قد تتمحور قوة النص وأيضًا إشكاليته، فالنص إلى حد ما حائر ما بين الشخصي والعام، وما بين النقد الذاتي أو النقد الموجَّه صوب الآخر. فدور المخرج/ المؤدي مبني على كل تلك الالتباسات، وعلى محاولة تصور دور الفلسطيني، كيفما يتماهى معه هو الفلسطيني– اللبناني، أو كيفما يراه العالم أو عدوه، مستعمر أرضه. “على أحدكم أن يبقى حيًا” كي تستمر آلة القتل الإسرائيلية، هي فكرة لافتة تبرز في النص، ولو أنه لا يستغرق في بلورتها. إن حاجة الإسرائيلي للفلسطيني هي حاجة وجودية، فكل كيانه بات مرتبطًا بفكرة قتل وإلغاء الفلسطيني، وتلك فكرة يسقطها بطبيعة الحال الإسرائيلي على الفلسطيني عامة ويتهمه بها.إن المشهد الختامي للعمل هو ذروته التي يتوقف عندها فجأة ويمنح هذا العرض بناءً دراميًا يتميز به، فهو المشهد الأخير الأجمل في رمزيته وبنائه البصري. فالمؤدي وجدي خالد يدخل كفنه بنفسه، وكأنما بذلك يدخل في إطاره، في الصورة التي بناها العالم له. ضمن إضاءة وكوريغرافيا مشغولة بعناية، يتقلب الممثل ويتحرك داخل ذلك الكفن الشفاف ضمن لوحة بصرية ملفتة في تقاسيمها. هي رقصة الجسد الأخيرة، وهذا الكفن الشفاف هو أشبه بشاشة تعود بنا إلى رمزية الشاشة التي يشاهد عبرها العالم الأجمع موت الفلسطيني. ذلك المشهد الأخير، وعلى نحو شخصي، يعيدني إلى فكرة حاضرة في الذهن منذ بدء الإبادة، التي ولشدة مرئية العنف اليومي المصوَّر تحولت إلى ما يمكن وصفه بتلفزيون الإبادة في غزة. فقد يكون أسوأ ما انتزعه العالم من الفلسطيني، بخلاف أرضه وحقه وهويته وحياته، هو خصوصية الموت، حقه في أن يموت ويُدفن في سلام، على الأقل بعد ما جرى تجريده من كل حقوقه الإنسانية. كيف لنا أن ننسى أنه توجّب على الفلسطيني أن يحمل أشلاء أبنائه وأكفانهم أمام الكاميرات في محاولة لمصادقة العالم على حقيقة الإبادة الحاصلة؟ أي فظاعة وأي سادية يعبر عنها هذا الواقع؟يتقلب الممثل ضمن حركات بطيئة في كفنه ليقوم منه في نهاية العرض. هو مشهد في رمزيته أشبه بقيامة المخلّص، يعزز من ذلك الشعور الإضاءة المنعكسة على الجسد في قيامته. قد يرمز ذلك أيضًا للعالم الذي يضع الفلسطيني وجسده في إطار، في صورة، وضمن أيقونة. هو تصور يجسد جانبًا من القداسة، قد تكون ضرورية لكي يستكين العالم لفكرة عجزه، لكنها لا تغيّر من الواقع الملموس للفلسطيني الذي لا يبحث سوى عن حياة ممكنة على أرضه. يقوم الجسد، مديرًا ظهره للمشاهدين، متفلتًا من كل تلك الصور، متجهًا إلى ضوئه، قيامته، ولربما إلى سمائه، سماء اللا-أحد.بعد افتتاحه في مسرح المدينة في بيروت مؤخرًا، ينطلق “الأرض الحرام” إلى هولندا والنرويج، حيث بُرمجت عروض إضافية له.# ضفة ثالثة ،#مجلة ابليت فوتو ارت..


