نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ
علي جازو
شاعر وكاتب كردي سوري
تنتمي الفنانة والباحثة السورية نور عسلية، إذا صحَّ معنى الانتماء، إلى نفسها أولًا بالتوازي مع انتمائها إلى ظروفها العائلية والدراسية في كلية الفنون الجميلة بدمشق. لكنها في الآن نفسه تتخطى هذا المحيط الشائك بأن تقفز فوقه، من دون أن تتناساه، عبر النحت والبحث الفني والنقدي الرصين. هكذا من الذات الداخلية إلى الخارج، من البذرة المعتمة إلى الضوء المانح، من سوريا إلى فرنسا تقدم نور عسلية أعمالًا سِمَتها الأساسية الدقة والكثافة. تبدأ مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة.
حصلت عسلية على ماجستير في تاريخ الفن، ودكتوراه في فلسفة الجمال من جامعة باريس الثامنة. طوّرت أطروحتها “نظريةً للهشاشة في النحت”. تشغل منصب الباحثة الرئيسية في مشروع أرشيف الفن السوري الحديث (مبادرة بواسطة مؤسسة أتاسي) ومسؤولة عن تعريب موسوعة المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة.
في هذا الحوار نتابع معها رحلتها الدراسية، بدءًا من مشغل والدها للتحنيط مرورًا بدراستها في باريس، وحتى اليوم في عملها ناقدة وموثقة للسير الذاتية للفنانين السوريين.
أرجو أولًا أن نعود إلى الوراء، إلى بدايات نشأتك الفنية، والدور الذي كان لوالدك، في مسائل وطرائق التحنيط وفهمه لتأثير الضوء على أعمالك، وكيف طورت أنت هذه التقنيات لاحقًا في توجهك إلى النحت؟
*أحببتُ الرسم في الصغر لأن والدي كان يحب الرسم وكان يرسم لوحات زيتية واقعية في فترات متباعدة. كان مَيْلي ذاك للرسم ميلًا طفوليًّا وكذا كانت رسوماتي. لكنني بدأت تعلّم الفنّ على نحو منهجي في كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 2001، وكان أوّل مدرّب حقيقي لي على الرسم الواقعيّ النحّات خالد عارفة، كان حينها أستاذًا في الكليّة. كانت سنوات الدراسة عصيبة بسبب إمكاناتي الاقتصاديّة الشحيحة. كما أنّ التعليم في الكليّة لم يكن مثاليًّا. للمفارقة نحن اليوم نشعر بالحسرة حتى على تلك السويّة المتوسطة من التعليم، حيث كان الأساتذة فنانين متفاوتي الموهبة، لكن كان معظمهم ذا فكرٍ متحرّر من قيود التحريم التي تجثم اليوم على صدر الفنون كلها. كان لقلّة المراجع ومصادر الاطلاع وحركة العرض المحصورة بالأسماء المكرّسة دورٌ أيضًا في تخريج طلّاب فنون غير قادرين بالضرورة على المتابعة كفنانين. بعد تخرجي وحصولي على المرتبة الثانية انخرطت في دراسة دبلوم الدراسات العليا التخصصي في النحت والذي تضمّن دراسة نظريّة إلى جانب المشروع الفني. بعد ذلك وفي عام 2006 عرضت معرضي الفردي الأول والوحيد في سوريا في غاليري سامر قزح. عرضت حينها مجموعة من منحوتات مثّلت فيها الجَمل. حمّلته أثقالًا وجعلته يبدو متعبًا ومفككًّا. كان ترميزًا واضحًا وبسيطًا لحال الفرد العربي وأحماله التي تنهكه.
انتقلتُ إلى فرنسا عام 2011 لمتابعة الدراسة النظرية. وفي فرنسا لعِبَت ظروفي الشخصية دورًا كبيرًا في مساري الفني. حيث انقطعتُ لمدة أربع سنوات كاملة عن العمل الفنيّ وذلك بعد ولادة ابنتي والتزامي بدراسة الماجستير في جامعة باريس الثامنة. في الواقع، عدتُ إلى العمل إثر وفاة والدي في سوريا، والذي رحل عن عمر الرابعة والستين بعد إصابته بسرطان الرئة. لقد استنهض مرضه داخلي ذكرياتي معه في مشغله لتحنيط الطيور والحيوانات. كانت مهنة ثالثة له عمل بها بهدف كسب العيش. عادت الذكريات العاطفيّة والحسيّة، واسترجعتُ لحظات كان يعرضُ لي فيها مصبوبات من الريزين أمام ضوء الشمس، كان قد حنّط داخلها بعض الكائنات كالعقارب والحشرات الكبيرة. وعند عودتي إلى النحت، قمت بتحنيط المنحوتات لتثبيت اللحظة مستخدمةً تقنية الصب داخل الريزين ذاتها. لذا أعتبرُ أنني استعرت تقنيات والدي وأعتبر نفسي مُحنّطةَ ذكرياتٍ.
غالبًا ما نجد في أعمالك لحظة السكون القصوى، أو الهدوء الكامل الذي يمكن مقارنته بالموت. هناك سكون يكاد يشمل كل شيء. يمكن القول إنك تنحتين تلك اللحظة الجامدة. ما السر وراء ذلك؟
*أنتقل في أعمالي بين السكون الهامد والغضب الدامي. ينبع كلاهما من أحداث حياتي الشخصيّة ومشاعري وأفكاري ورغبتي أحيانًا في الموت. لطالما اعتقدت اختيار الموت جرأة خالصة وتمرّدًا وليس هروبًا. في جميع الأحوال، اكتشفت في وقت سابق شعورًا حادًّا بـ”غريزة الموت”. وهي غريزة ليست تعبيرًا بسيطًا عن الرغبة بالموت، بل الشعور به مع كل لحظة حياة، وكأن الكائن، حسب مُنظّر “غريزة الموت” الأول فرويد، نازعٌ بكلّ جوارحه إلى نقطة النهاية نفسيًّا وفيزيّائيًا ومدركٌ تمامًا لطريقه المتداعي والمتقدّم نحو الموت مع مرور الوقت. من جهة أخرى، يُترجم هذا الترقب الدائم للحظة النهاية في العمل الفني، خصوصًا المنحوتات، عبر تجميد اللحظة. إن الوقت هو الشرط اللازم حتى تتحقق تلك الهشاشة البشرية المرتبطة بتركيبتنا العضوية. محاولة تثبيت حالة معينة أو حدث هي رغبة في عدم تحولها إلى ذكرى لا يمكن الإمساك بها. إنه تحدٍّ للزمن، لعبء مرور الزمن.
إذًا فإن الموت حاجة مثلُهُ مثل أي غريزة أخرى، أم أن الموت ثمرة داخلنا تنمو وتنضج ببطء حتى نملك موتنا الخاص؟
* مثلما أشار يومًا الشاعر راينر ماريا ريلكه، والذي كان بالمناسبة صديقَ وسكرتير رودان في باريس مطلع القرن العشرين. أي علاقة هذه التي تشد الفن إلى الموت بمثل هذه الحدة والعمق؟
لا أعتقد أن الرابط يتعلق بثنائية الفن والموت، بل بعلاقة الكائن الزائل بحقيقة فنائه. بمعنى أن تلك الحساسية لسؤال الموت برمّته هي سابقة لتوجّه الفنان إلى الفن. على جانب آخر، تلك حقيقة مُثرية للتجربة الفنيّة. أعي أن هناك اليوم من يرى في المنتج الفني العنيف أو السوداوي أو العدمي إرهاقًا فائضًا لا يحتمله الواقع الراهن المليء بالحروب، هناك من يرغب بالهروب إلى الفن كمساحة للجمال والراحة والطمأنينة. من منظوري الفن قادر على احتواء طرفَي النقيض دون أي غرابة. يُعتبر مبدأ استخدام الفن كعلاج اليوم بديهيًّا، لكن العملية الفنيّة أعقد من ذلك خصوصًا عند اختلاطها بالتعمّق الفكريّ في الفن. بل إن صناعة العمل الفنيّ غير السطحي وغير المكرر في يومنا لهي إحدى التحديّات في وجه الفنان.
ثمة عنف صامت في أعمالك، أو لنقل إنه أثرٌ من آثار العنف، بعدما تحوّلَ الى صمت. مع ذلك فإن هذه الأعمال المتماسكة والرصينة تبدو هادئة للوهلة الأولى. كيف يمكن للدقيق اللطيف ان يجتمع مع الصلب العنيف؟
* هي مراحل نفسية. العنف هو تعبير عن غضب مباشر. هذا الغضب قد يكون نابعًا من شعور بالظلم أو ردَّ فعلٍ على تلقي الأذية من البشر، قد يكون ضمن نطاق عامّ كالتفاعل مع فكرة الاعتقال السياسي أو ما ينحصر بالإطار الشخصي. في الواقع كون عملي يتعلّق بي، فهو بالضرورة متعلّق بالمرأة بالعموم. إن تطبيق العنف في العمل الفنيّ هو رغبة في الإشارة إلى العنف الذي أتعرضُ له بصيغ متعددة.
تحضر العينُ كثيرًا في أعمالك. ليست العين الحالمة ولا العين البريئة. ما دور العين في هذه الأعمال، وما سبب تركيزك على هذا العضو الحساس والضعيف من جسد الإنسان؟
* العين مستخدمة بكثرة في الفن لكونها عضوًا معبّرًا كاشفًا للحالة النفسيّة للإنسان ولارتباطها الفلسفيّ بالحياة والاستبصار إضافة لكون إغماض العين دليلًا على العوالم الخفية: النوم والموت. إنها أيضًا عنصر جماليّ، مشابه للزجاج، يعكسُ كمرآة، ودافق بالسوائل. لقد استُخدِمَت العين بأجمل صورها في العصر الفكتوري فيما سميَ بـ “عين المحبوب” وهي رسوم لأعين العشاق كانت تُحاط بعناصر تزيينيّة متلألئة، وكان أولئك يتبادلونها كعهود للحب.
بالنسبة لي، ترتبط العين بقصص لأشخاص مقرّبين مني. تركَت معاناتهم الصحية البصرية أثرًا كبيرًا في نفسي لدرجة الشعور بالذنب. وكان أوّل عمل من “العيون” هو صورة لعيني مَخيطة. انتقلت العيون من لحظات غضب ومرارة في مجموعة “خياطة” (2018)، المقتناة من قبل مؤسسة أتاسي، إلى الحزن الساكن في مجموعتين أُخريين “دموع” (2022-2025) و”رسائل من سوريا” (2025). أستخدمُ صورًا لعيني، أولًا لأن معظم عملي الفنيّ يكاد يكون بورتريه شخصيًّا (بالمعنى الواسع)، وثانيًا لأنني أرى في التضاد بين الأبيض والأسود قوّة تعبيريّة. إن تلك العين الباكية، الكسيرة أحيانًا، قادرة على تثبيت المشاهد وسحبه إلى عوالمها.
هل من أثر لتخصصك الأكاديمي في أعمالك الإبداعية؟ وكيف تتداخل هذه الأدوار، باحثة وفنانة؟ أنت باحثة متخصصة في الهشاشة في النحت، وقدمتِ رسالة دكتوراه حول هذا المفهوم. كيف تقومين بشرحه وتأويله، وإلى أي مدى تلجئين إليه في أعمالك كمصدر أو طريقة تنفيذ؟
* بالتأكيد، أثّرت دراستي النظرية بشكل عميق وواسع أيضًا على فهمي للفن والعملية الإبداعية وتوسيع منابعي الفكرية، وأيضًا على الممارسة بشكل مباشر. لقد بدأ اهتمامي بمفهوم الهشاشة في مرحلة الماجستير عندما درست الأعمال النحتية الورقية لبيكاسو. وقفت في دهشة متسائلة حول معنى الهشاشة أمام أعمال ورقيّة ما زالت حيّة منذ أكثر من مئة عام. أسّست أطروحتي لهذا المفهوم وبنيت له نظريّة مفادها أن الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ بدرجة أو بأخرى. تعمّقت في كلا الجانبين الماديّ واللاماديّ للهشاشة. يمكن الاطلاع على مقالتي في موقع “الجمهورية” والتي تلخص نظريتي حول مفهوم الهشاشة. وباختصار شديد، أعرّفُ الهشاشة كدرجةٍ من الضعف الداخلي الكامن داخل الوحدة الماديّة والذي يجعلها عرضة للاندثار سواء عبر الدمار الفعلي أو عبر تدهور الشكل، ما يحول العمل إلى هيئة أخرى.
بالنسبة لعملي الفني، فإنّ مجمل نتاجي هو نوع من التعامل مع الهشاشة الداخليّة، بمعنى إخراجها في تشكيل منفصل عن ذاتي. إذًا، في الجوهر ليست الهشاشة موضوعًا إنما دافع. وفي الوقت ذاته، يمكن للمشاهد قراءتها، سواء من خلال مواد العمل كالورق الهش الممزق والصلصال المتفتت، أو من خلال فكرة العمل كالموت والجسد المكشوف والعنف بوصفه مرآة للهشاشة.
لطالما حلمت بقراءة سيرة ذاتية فنية وافية لفاتح المدرس أو لؤي كيالي. تعرفين أن مثل هذا النوع من النصوص غير متوافر لدينا. وبما أنك تقضين معظم وقتك في الأرشفة والتوثيق، سواء مع المتحف العربي للفن الحديث في قطر أو لدى مؤسسة أتاسي، فهل تُسهم الأرشفة في توفير مصادر بحثية ومرجعية أفضل، وهل تسدّ النقص الفادح في غياب توثيق الفن التشكيلي السوري؟
،*عملي مع المتحف العربي للفن الحديث في قطر يتضّمن تعريب السير الذاتية للفنانين ضمن الموسوعة وكتابة المتعلق منها بالفنانين السوريين، ومنها سيرة فاتح المدرس، وهي سير ذاتيّة احترافيّة معمّقة يكتبها مؤرخون فنيّون تغطي أبرز الأحداث الشخصية والتعليميّة والمهنيّة في حياة الفنان، إضافة إلى نظرة على أسلوبه الفنيّ وقوائم بأبرز مشاركاته في المعارض والجوائز والمراجع المتعلّقة به. ولذا، نعم مشروع موسوعة متحف قطر سيقدم مرجعيّة موثوقة لعدد كبير من الفنانين العرب وبعض فناني آسيا.
أما عملي مع مؤسسة أتاسي فهو أكثر ضرورةً. تجدر الإشارة إلى أن معظم قَيّمي المعارض التي تنشغل بتثمين الفن العربي يجدون صعوبة في التقاط المشهد السوري، خصوصًا أن المواد التوثيقية القليلة المتوفرة عن الفن السوري متواجدة باللغة العربيّة فقط. هذا يشمل سير الفنانين وتاريخ الحركة الفنية وتوثيق الأعمال على حد سواء. تتبنى “أتاسي” مبدأيْ الحفظ وخلق المعرفة. إن حفظ الإنتاج الفني، في حالٍ مُثلى، يتطلب حفظه بحالته الفيزيائية وتوثيقه مع أكثر ما يمكن من دقّة من معلومات عن تاريخ إنتاج العمل ومواده وعنوانه وتاريخ عرضه وما كُتب عنه. وأما إثراء المعرفة حول الفن فيبدأ من توثيق حياة الفنان ونشاطه الفنيّ والمهنيّ ومواقفه ومقابلاته، ويستمرّ في تحليل أعماله ودراستها استطيقيًّا ووضعها في سياقها بالارتباط مع المشهد العام والأقران المعاصرين أو السلف. من الواجب أيضًا استكشاف تأثير الفنان على الأجيال اللاحقة خصوصًا أن عددًا هامًّا من الفنانين هم المعلّمون في كليّة الفنون الجميلة ومعاهد تدريس الفن. نقوم في أتاسي بسدّ جزء من الثغرة عبر عدد من الأنشطة أبرزها “أرشيف الفنّ السوريّ الحديث”، وهو منصة مستقلة ننشر عليها أرشيفات لفنانين سوريين بشكل رئيسيّ وقد تتطور لتشمل بعض المؤرّخين الفنييّن أو الفاعلين الأساسيين. نشرنا لليوم أرشيف غاليري أتاسي وأرشيف محمود حماد وأرشيف ليلى نصير وأرشيف أحمد مادون. إضافة إلى هذه الأرشيفات نتيح قائمة بكتب وكتالوغات متخصّصة بالفن السوريّ ضمن المكتبة الرقميّة. ترتبط نشرة الأرشيف التي نوزعها عبر الإيميل بمحتوى المواد الأرشيفيّة وهي نشرة أضيءُ فيها على بعض الموضوعات والوثائق مع شروح توضيحيّة لسياقها.
تعمل المجموعة أيضًا على تكوين مجموعة فنيّة متسقة متنامية، بُنيت على إرث عائلة أتاسي من الأعمال المقتناة من قبلهم على مدار أكثر من ثلاثين عامًا. نحن نسلط الضوء على المجموعة عبر قصص سرديّة ننشرها تباعًا على منصة غوغل آرت أند كولتشر. كذلك يُقدّم برنامجنا الصوتيّ “حوار” حديثًا مع الفنانين الشباب والمشتغلين في الحركة للتعرف عليهم. نحن نسهم في سد الثغرة، لكن النقص الموجود يتطلب جهودًا وتمويلات أكبر من استطاعة مؤسّسة واحدة.
يلاحظ في السنوات القليلة الماضية تزايد الاهتمام الأكاديمي بالفن السوري وفق أسس علمية ومنهجية، أي الأبحاث والمبادرات أو المقالات لفتت انتباهك على هذا الصعيد؟
* هنالك كتب أو تغطيات بارزة عن الفن السوري من قبل باحثين عرب أو غربيين. بالنسبة للتوثيق هناك مواد هامّة مثلًا لكل من ندى شبوط وسلوى مقدادي وسلطان القاسمي ونغم حذيفة وسارة روجرز وأنيكا لينسن وڤينيشيا بورتر وشارلوت بانك وسيلفيا نِف. أيضًا أثمّن مقالات كل من الناقد سعد القاسم والمتخصص الجمالي والفنان الراحل أسعد عرابي. أما لتسمية كتاب بعينه فأنا اعتمد كثيرًا على كتاب Modern Art in the Arab World: Primary Documents لكل من ندى شبوط ولينسن وروجرز. . # ميكازين# مجلة ايليت فوتو ارت


