الفرعون المصري “محمد صلاح” .. ملك القلوب والإنسانية قبل أن يكون ملك الملاعب الخضراء

بقلم د.نادي شلقامي

— هدية مصر للعالم…وهدية العالم لإنسانيته

في الوقت الذي يغرق فيه عالم كرة القدم في صخب الأرقام الفلكية وصراعات ‘البراندات’ العالمية، يبرز من قلب الدلتا المصرية إنسانٌ لم تزدُه الأضواء إلا وضوحاً، ولم ترفعه المنصات إلا تواضعاً.

نحن لا نقتفي أثر لاعبٍ حطم أسطورة الدوري الإنجليزي بقدمه اليمنى واليسرى، بل نكشف الستار عن ‘مؤسسة إنسانية’ تتنفس بقلب رجل واحد. من شوارع نجريج’ الأصيلة التي شهدت ركضه الأول، إلى أروقة المستشفيات ومعاهد العلم التي شُيدت بصمت قراره؛ يطل محمد صلاح كظاهرة كونية لم تكتفِ بصناعة المجد، بل قررت ‘تأميم’ هذا المجد لصالح الفقراء والمهمشين.

هذا ليس تقريراً عن ‘مو صلاح’ الهداف، بل عن ‘الملك’ الذي اشترى قلوب البشر قبل أن يمتلك عقول الجماهير، وعن اليد التي تمتد لتبني حينما تنشغل الأيدي الأخرى بالتصفيق.

الفصل الأول…. العائد إلى النبع.. المشاريع التنموية في مصر

خلافاً للصور النمطية، لم ينسَ صلاح قريته “نجريج” أو قريبه الفقير. عبر تحقيقات ميدانية ومراجعة وثائق رسمية ومقابلات مع مستفيدين، تكشف الصورة عن استثمار إنساني منظم:

1- مشروع قرية نجريج الشامل:

— ليس مجرد تبرعات عابرة، بل مشروع تنموي متكامل. مول صلاح بناء مدرسة ثانوية حديثة للبنات (مدرسة محمد صلاح) مجهزة بأحدث الوسائل التعليمية، لتكون حلم التعليم الآمن حقيقة لأطفال قريته.

— كما تم تمويل وحدة صحية متكاملة لتقديم الرعاية الطبية المجانية لأهالي القرية والقرى المجاورة، مع توفير الأدوية والأجهزة الطبية الأساسية.

— الأهم هو مشروع “تمكين الأسرة” الذي قدم قروضاً حسنة بدون فوائد لأسر كثيرة لبدء مشاريع صغيرة، محولاً العديد من الأسر من فئة مستفيدة إلى فئة منتجة.

2- مستشفى الأطفال بمحافظة الغربية:

— تبرع بمبلغ 5 ملايين جنيه مصري للمساهمة في إنشاء مستشفى للأطفال في محافظته، موجهاً رسالة واضحة بأولوية رعاية الطفولة والصحة.

3- التبرعات الطارئة:

— في قلب الأزمات: خلال جائحة كورونا، تبرع بمبلغ كبير لمستشفى الحميات في المحافظة لشراء أجهزة التنفس الصناعي والمستلزمات الطبية.

— كما قدم دعماً مباشراً لصندوق “تحيا مصر” خلال الأزمات الاقتصادية، بهدف التخفيف من معاناة المواطنين.

الفصل الثاني…صوت لا يعلوه صوت.. دعم غزة والقدس
قبل أن يكون قضية إعلامية، كان صلاح صامتاً بطريقته الفعالة. توضح الوثائق وتصريحات الجهات المستفيدة:

— التبرع للمستشفيات: في مايو 2021، وخلال العدوان على غزة، تبرع محمد صلاح بمبلغ كبير عبر منظمة “اليونيسف” لتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية للمستشفيات في القطاع المحاصر. رفض نشر المبلغ، مع التركيز على “واجب المساعدة”.

— دعم الأسر المتضررة: توجّهت تبرعاته أيضاً عبر منظمات إغاثية موثوقة لتقديم مساعدات نقدية وعينية مباشرة للأسر التي دُمرت منازلها أو فقدت معيليها.

— القدس رمزياً وإنسانياً: بمنشوراته المتكررة على وسائل التواصل الاجتماعي بلغات متعددة (عربية، إنجليزية) التي تؤكد على الحق الفلسطيني في القدس، حوّل صلاح حساباته الشخصية إلى منبر للقضية، موجهاً رسائل للرأي العام العالمي قد لا تصل عبر القنوات الرسمية. إنه يستخدم نفوذه الرياضي غير المسبوق لنشر الوعي.

الفصل الثالث… النجم الأفريقي.. إحياء القارة الأم

يبقى ارتباط صلاح بأفريقيا عميقاً. لم يقتصر على تمثيل المنتخب المصري، بل امتد ليشمل:

— تبرعات مباشرة للأمم المتحدة في أفريقيا:

في عام 2020، تبرع بجائزة “الفيفا” الخاصة للتبرع بها لمشاريع الأمم المتحدة التنموية في أفريقيا.

· مبادرة “بلدنا”: مشاركته الفعالة في المبادرة الرئاسية “بلدنا” في مصر والتي تهدف لمكافحة فيروس سي والأمراض غير السارية في أفريقيا، حيث استخدم صورته لجذب الانتباه والتوعية بأهمية الكشف المبكر والعلاج.

— رعاية المواهب الأفريقية:

يسعى صلاح من خلال علاقاته في العالم الرياضي إلى دعم وتبني المواهب الكروية الشابة من الدول الأفريقية الفقيرة، ليس فقط في مصر، كمحاولة لإعطائهم فرصة لتغيير حياتهم كما غيّرته الكرة.

الفصل الرابع… فلسفة العطاء.. السر وراء الصمت والإصرار

من خلال تحليل سلوكه وتصريحات المقربين منه، يتبين أن:

— سرية التبرعات:

يتبنى صلاح منهجاً إسلامياً وإنسانياً في إخفاء كثير من أعماله الخيرية، مؤمناً بأن “اليد اليمنى لا تعلم ما أنفقت اليسرى”. غالباً ما يتم الكشف عن أعماله من قبل الجهات المستفيدة أو وسائل الإعلام المحلية، وليس عبر مكتبه الإعلامي.

— التركيز على التنمية المستدامة:

انتقل من نموذج “الصدقة” إلى نموذج “المشروع”. فهو لا يريد إطعام جائع ليوم، بل يريد تعليمه وعلاجه وتمكينه اقتصادياً ليطعم نفسه وأسرته للأبد.

— الوطنية المتوازنة:

يحمل صلاح حباً جارفاً لمصر دون طائفية أو تعصب. مشاريعه تخدم جميع أبناء الوطن بغض النظر عن أي اعتبارات، مما جعله رمزاً للوحدة الوطنية في وقت تشتد فيه الانقسامات.

— إرث يتجاوز الأرقام القياسية

في زمن يقدس الأرقام والألقاب، يذكرنا محمد صلاح بأن أعظم رقم قياسي يمكن تحطيمه هو عدد الأرواح التي نلمسها، وأعظم بطولة هي “بطولة الإنسانية”. إنه الفرعون الحديث الذي لا يبني أهرامات من الحجر، بل يشيد قصوراً من الأمل في قلوب المهمشين.

إنه النجم الذي أدرك أن نوره الحقيقي ليس في كاميرات الملاعب، بل في ابتسامة طفل تعافى في مستشفى، أو في نظرة أمل لأسرة وجدت مصدر رزق، أو في نفس استعاد حريته في أرض مغتصبة.

تاج “ملك القلوب” الذي منحه إياه الشعب، هو التاج الوحيد الذي لا يصدأ، ولا يُسرق، ولا يُهزم. ولعل هذه هي الحكمة التي فهمها صلاح مبكراً: “قد تنسى الأجيال القادمة عدد أهدافك، لكنها لن تنسى أبداً كم قلباً أنقذت.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم