الفارق بين تطور الامم لايتعلق بمن هو أذكى، بل بمن بدأ مبكرًا، ومن عرف كيف يحافظ على شعلة التقدم.
يبدو للوهلة الأولى أن العالم منقسم بين دول تبتكر وتقود المستقبل، وأخرى تراوح مكانها، وكأن الفارق بينها قدرٌ محتوم أو تفوقٌ جيني أو ذكاء فطري. لكن الحقيقة، رغم بساطتها، قاسية في معناها: المسألة لا تتعلق بمن هو أذكى، بل بمن بدأ مبكرًا، ومن عرف كيف يحافظ على شعلة التقدم مشتعلة.فالتكنولوجيا لم تولد في أوروبا ولا في أمريكا. بدأت يوم قرر الإنسان أن يزرع بدل أن يطارد فرائسه، يوم صنع أول أداة بيديه، يوم شيد أول مأوى، ويوم أدرك أنه قادر على فهم البيئة والتحكم بها بدل الخضوع لمخاوفها.السومريون أهدوا البشرية الكتابة والعجلة، والمصريون وضعوا أسس الهندسة والطب، والصينيون ابتكروا الورق والبارود والبوصلة، والمسلمون أسسوا الجبر، وطوروا الكيمياء، ورسخوا الطب التجريبي والبصريات. كانت كل حضارة تمسك بالشعلة زمنًا، ثم تسلمها لغيرها، في مسيرة متصلة لا تعرف التوقف.غير أن التحول الحاسم وقع عندما شيدت أوروبا نظامًا متكاملًا: نظامًا يسمح بالخطأ، ويشجع التجربة، ويحمي الباحث، ويدعم المخترع، ويحوّل الفكرة من مجرد تصور إلى مصنع ومنتج. من هنا انطلقت الثورة الصناعية، ومن هنا تشكلت ملامح الدول التي تتصدر المشهد العالمي اليوم.أما الدول التي لا تصنع ولا تبتكر في عصرنا، فليست أقل ذكاءً ولا فقرًا في العقول، لكنها فقدت الرؤية بعيدة المدى والوعي الحقيقي، وأهملت التعليم التطبيقي، ولم تحسن حماية كفاءاتها، وعاشت فترات طويلة تحت وطأة الاستعمار، فتحولت من مجتمعات منتجة إلى أسواق مستهلكة، وسمحت لنار المعرفة أن تخبو.التكنولوجيا ليست عبقرية فردية، بل مسار طويل من الاستمرارية. هي احترام للعلم، وصبر على التراكم، وإيمان بأن التقدم لا يأتي بضربة حظ، بل بسلسلة متواصلة من الجهد والبناء.التكنولوجيا تشبه النار؛ أول من أشعلها لم يكن بالضرورة أذكى البشر، لكنه كان أول من وفر لها الوقود والهواء والوقت. والدول المتقدمة اليوم لم تخترع هذه النار، لكنها ببساطة لم تسمح لها أن تنطفئ..# أصل الانسان # الفيزياء والكون# مجلة ايليت فوتو ارت.


