العلمانية: نسيج الروح المدنية في الدولة الحضاريةفي زمن تتصارع فيه الأفكار وتتشابك المفاهيم، تبرز العلمانية كواحدة من أكثر الرؤى الفلسفية إثارة للجدل وفي الوقت نفسه عمقاً في نظرتها للإنسان والمجتمع. والعلمانية، في أبهى صورها وأروع معانيها، ليست كما يُشاع أنها دعوة للإلحاد أو محاربة للدين، بل هي ذلك الإطار المدني النبيل الذي يضمن للجميع حق الوجود والاختلاف. إنها الحياد الإيجابي للدولة تجاه المعتقدات جميعها؛ أي أنها لا تتبنى ديناً رسمياً، ولكنها في المقابل تحمي حق كل فرد في ممارسة معتقداته بحرية تامة، طالما لا يتعارض ذلك مع حقوق الآخرين وحرياتهم. العلمانية هي فن الفصل بين السلطة الروحية والسلطة السياسية، لا بهدف إقصاء القيم الأخلاقية، بل بهدف خلق مساحة مشتركة للجميع، مساحة تعلو فيها المواطنة على الانتماء الضيق، ويصبح فيها الإنسان، مجرد إنسان، هو المعيار والقيمة العليا.من هذا التعريف الشامل، يمكننا أن ننطلق في رحلة خيالية لاستشراف ملامح الدولة الحضارية التي تتخذ من العلمانية أساساً لبنائها. إنها دولة تنبض بالحياة، ليس لأنها تمتلك أطول الأبراج أو أعقد شبكات الاتصال، بل لأنها استطاعت أن تبني صرحها على أعظم أساس على الإطلاق: كرامة الإنسان.في هذه الدولة، نجد أن القانون هو الملك الأعلى الذي لا ينحني أمامه أحد، صغيراً كان أم كبيراً، غنياً أم فقيراً. القوانين هنا ليست أدوات لقمع الأصوات أو تكميم الأفواه، بل هي عقود اجتماعية متجددة، يناقشها الشعب عبر ممثليه، وتصاغ لتحمي الضعيف قبل القوي. في هذه الدولة، العدالة الاجتماعية ليست شعاراً يرفع في الخطابات، بل هي واقع يعيشه الناس في حياتهم اليومية. تراها في المدارس المجهزة التي يتساوى في دخولها ابن الجيران وابن الوزير، وفي المستشفيات التي تعالج الجميع بلا تمييز، وفي الطرقات والبنية التحتية التي تخدم المواطن حيثما كان. العدالة الاجتماعية هنا تعني أن تفعل الحكومة كل ما في وسعها لردم هوة الفروق الفردية، ليس بقتل الطموح، بل بتوفير “شبكة أمان” تضمن أن لا يسقط أحد من أبناء الوطن في الهاوية بسبب المرض أو الجهل أو العجز.أما الديمقراطية في هذا النموذج الحضاري، فهي نبض المجتمع ذاته. إنها ليست مجرد صندوق انتخابي تملؤه الأوراق كل بضع سنين، بل هي ثقافة حوار يومية. الديمقراطية هنا تعني أن يكون للمواطن رأي مسموع في القرار الذي يمس حياته، وأن يكون هناك تداول سلمي للسلطة يجدد الدماء ويحاسب المقصر. تعني وجود إعلام حر وقضاء مستقل ومنظمات مجتمع مدني تراقب وتنقد وتقترح، كل ذلك في إطار من الاحترام المتبادل والوعي بأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للوطن قضية.ولعل أبرز ما يميز الحكومات في الدولة العلمانية الحضارية هو نظرتها إلى المواطنين. هذه الحكومات لا تتعامل مع الناس كـ “رعايا” يجب توجيههم، ولا كـ “أتباع” لجماعة معينة، بل تتعامل معهم كـ “مواطنين” أصحاب حقوق وواجبات. فهي تكفل حق التعليم، وتضمن حرية التعبير، وتحمي الحق في المعتقد وممارسة الشعائر، وتكفل للجميع حق الترشح والانتخاب. في المقابل، هي تطلب من المواطن واجباً واحداً لا ثاني له: أن يكون مواطناً صالحاً يحترم القانون، ويدفع الضرائب ليساهم في بناء بلده، ويؤدي واجبه الوطني، ويحترم حرية الآخرين كما يحب أن تحترم حريته.إن أجمل ما في هذه الدولة أن الإنسان فيها يُرى كإنسان أولاً وقبل كل شيء. فقبل أن تكون مسلماً أو مسيحياً أو ملحداً، وقبل أن تكون غنياً أو فقيراً، وقبل أن تكون من هذا الحي أو ذاك، أنت مواطن لك كامل الحق في أن تعيش آمناً، وأن تحلم بمستقبل أفضل، وأن تختلف مع غيرك دون أن تخشى بطش السلطة أو انتقام المجتمع. في هذه الدولة، الخصوصية خط أحمر، والكرامة الإنسانية مصانة، والاختلاف هو مصدر قوة وغنى، وليس مدعاة للفرقة والاقتتال.بهذا المعنى، لا تكون العلمانية مجرد ترتيب إداري للعلاقة بين الدين والدولة، بل هي مشروع نهضوي متكامل. هي الرؤية التي تجعل من الوطن بيتاً للجميع، ومن المواطنة الهوية الجامعة، ومن القانون الضامن الوحيد للحقوق والواجبات. هي الجسر الذي نعبر عليه جميعاً من ظلمات التفرقة والاستبداد إلى نور المساواة والحرية والكرامة الإنسانية، التي هي أغلى ما تملكه البشرية ..# المثقفون السوريون# مجلة ايليت فوتو ارت


