حين تنهار فرضية (صداقة المرأة والرجل) – وما لم يخبرك به كبار الفلاسفة!
- عاصم المعايطة
لبدأ بسؤال مهم: لماذا تتفاجأ المرأة حين تكتشف أن الرجل… رجل؟
هناك لحظة غريبة تتكرر في الصداقات بين الرجال والنساء.
تكتشف امرأة، بعد أشهر أو سنوات من المعرفة، أن الرجل الذي كان يستمع إليها، يضحك معها، يناقشها في الكتب (بل ويقرأ بعض الكتب لأجلها).. ثم ينتقل للحديث بالسياسة والعمل ومشاكل الحياة، كان — ويا للمصيبة — يراها امرأة أيضًا!!
فتشعر بالخيانة الفكرية…
ثم تأتي المقدمة الكبرى:
- أنتوا الزلم كلكم هيك!!
والحقيقة أن أكثر ما يثير السخرية في هذه العبارة ليس اتهام الرجال، وإنما الدهشة الساذجة التي تسبقها… وكأنها اكتشفت أن القط لديه اهتمام غير أكاديمي بالعصافير!
والمشكلة تبدأ من توقع غريب جدًا:
(… أن يدخل الرجل في علاقة طويلة مع امرأة يجدها جميلة، جذابة، قريبة منه، يفهمها وتفهمه، ثم يُطلب منه أن يضع كل ذلك في غرفة زجاجية كتب على بابها: “الصداقة النقية – والبيست فرند – وانت زي اخوي- وقلوب حب لون ازرق”.. وألا يخطر بباله يومًا أن هذه المرأة تصلح لأن تكون أكثر من صديقة..)
وهذا، بصراحة، تصور أفلاطوني جميل… لكنه لا يشبه البشر وحقيقتهم كثيرًا.
انا من المدافعين بشراسة عن فكرة أن (الرجل ليس آلة تناسل تمشي على قدمين، بالتأكيد). لكنه أيضًا ليس راهبًا بوذيًا قضى أربعين عامًا في جبال التبت حتى تحرر من الرغبة والطموح ونزغ الشيطان.. ومن مشاعر ما بعد منتصف الليل.
هو كائن يحمل عقلًا وأخلاقًا وطموحات ومشاعر، ويحمل معها رغباته وغرائزه.. ووجود الرغبة لا يعني غياب الردع.. وأن الرجل سـ “يتلبون” مع كل امرأة يعرفها، كما أن الشعور بالجوع لا يعني أنك ستسرق أول سندويشة تراها!
هناك فرق هائل بين وجود الدافع وبين الاستسلام للدافع.
وهنا يحدث الخلط عادة.
بعض النساء يعتبرن مجرد اكتشاف أن الرجل فكّر بهن عاطفيًا أو بطريقة لا يسعنا الحديث عنها والعياذ بالله.. نوعًا من الخداع:
(..يا للهول.. كنت أعتبرك صديقًا!)
حسنًا.
هو ربما كان يعتبرك صديقة أيضًا.
لكن من قال إن الصداقة تلغي إحتمالية الانجذاب والتعلق وما يلحقها من خرابيط العاشقين أو انصاف العاشقين من ذوي القلوب الخضراء؟
هذه فكرة اخترعناها نحن، لا الطبيعة..
الطبيعة أكثر فوضوية من تصنيفاتنا. قد تحب إنسانًا كصديق، وتثق به كصديق، وتستمتع بصحبته كصديق، وفي الوقت نفسه تراه جذابًا.
وهذه المشاعر ليست ملفات معزولة التقاطع بنصوص دستورية..
ولا توجد داخل الدماغ دائرة تقول:
الصديقة = يمنع الشعور بأي شيء آخر تجاهها.
بل يحدث أحيانًا العكس تمامًا.
كلما زادت الألفة، ازداد الإعجاب.
وكلما ازداد الإعجاب، ظهر السؤال الذي يحرص الجميع على التظاهر بأنه لم يخطر في بال أحد:
ماذا لو؟..
وهنا تبدأ المسرحية الاجتماعية.
الرجل يعرف أن السؤال موجود، لكنه غالبًا يصمت.. ويستمر في دوره في التهريج.
والمرأة تعرف — أو تشك — بأن السؤال موجود، لكنها تفضّل أحيانًا أن يبقى في المنطقة الرمادية.. وهذا اريح من حالة الشك.
ثم إذا خرج السؤال إلى الضوء، يتصرف الجميع وكأن حيوانًا ضاريًا ووحشيًّا قد دخل مساحة التفكير.
وهذا يقودني إلى فرضية (الصداقة البريئة) بين الرجل والمرأة.
أنا شخصيًا – وبكل ثقة- أتحفظ على الصورة الرومانسية المطلقة لهذه الفكرة..
ليس لأن كل علاقة بين رجل وامرأة مؤامرة “سافلة” مؤجلة، فهذا تبسيط ساذج..
لكن لأننا أيضًا نبالغ في تصور قدرتنا على فصل الغريزة عن بقية حياتنا كما لو كانت قطعة أثاث نستطيع إخراجها من الغرفة.
نعم، قد توجد صداقة حقيقية بين رجل وامرأة.
قد تستمر سنوات.
وقد تكون محترمة وعميقة وصادقة… وما شاء الله
لكن وصفها منذ البداية بأنها (خالية تمامًا من أي احتمال آخر) يحتاج إلى قدر غير قليل من الثقة بالنفس.. (أو فرضيات تقودنا -لا قدر الله- للشك باتجاهات الرجل أو المرأة)
خصوصًا إذا كان أحد الطرفين يجد الآخر جذابًا….
الأكثر واقعية أن نقول:
فالإنسان ليس كائنًا نقيًا.. وان الأنسان وحش بالطبع، حضاري بالتطبّع.. (او بالدين والاخلاق أو القانون.. أو أي وسيلة ردع حاسمة)..
لا الرجل.
ولا المرأة.
نحن مزيج غير أنيق من الأخلاق والرغبات والمصالح والمشاعر والغرائز والعقل..
لكننا نحب تقديم أنفسنا في الروايات العاطفية بوصفنا أرواحًا شفافة تبحث فقط عن التواصل الإنساني العميق.. (وملعون ابوها كذبة)..
ثم تأتي البيولوجيا من الخلف وتفسد المشهد.
المفارقة أن المرأة التي تقول للرجل:
- كنت أعتقد أنك مختلف.
قد لا تكون تقصد في الحقيقة أنه مختلف أخلاقيًا.
ربما كانت تقصد:
(كنت أعتقد أنك الرجل الوحيد الذي لن يراني كامرأة)
وهو توقع غريب إذا فكرت فيه قليلًا.
خصوصًا عندما يكون الرجل نفسه قد اختارك من بين مئات الأشخاص ليقضي معك كل هذا الوقت.
ليس من الضروري أن يكون ذلك مشروعًا عاطفيًا سريًا..
لكنه أيضًا ليس دليلًا على أن الجنس الآخر أصبح فجأة جنسًا محايدًا..
وللإنصاف، فالرجل يرتكب الحماقة المعاكسة أيضًا.
يتعامل مع كل ابتسامة باعتبارها افتتاح مفاوضات زواج.
وكل اهتمام باعتباره إشارة إعجاب.
وكل لطف باعتباره (واضح انها واقعة).
وهكذا يصبح لدينا طرف يتخيل أن الغريزة غير موجودة، وطرف يتخيل أن الغريزة تفسر كل شيء.
وكلاهما يسيء قراءة البشر..
أما انتظار رجل بلا رغبة، وامرأة بلا رغبة، وعلاقة بشرية بلا التباس، فهو مشروع فلسفي جميل جدًا..
وله عيب واحد فقط:
أنه يحتاج إلى بشر غير البشر الذين نعرفهم..
ـــــــــــــــــ
تنويه مهم : هذا الكلام لا ينفي عن الرجل الشهامة والطيب والفزعة والمروءة. هذه صفات أخلاقية لا علاقة لها بما أتحدث عنه هنا، ولا تُعد بحد ذاتها دليلًا على صداقة أفلاطونية بين الرجل والمرأة. فالرجل قد يكون شهمًا ومحترمًا، وفي الوقت نفسه يبقى خاضعًا للانجذاب والرغبة.
#عاصم المعايطة #مجلة ايليت فوتو ارت.-


