العصر الرقمي غير مفاهيم المشاهظة ومتابعة الفيلم او الحدث

من الصالات إلى الجيوب: تغير عادات المُشاهدة في عصرنا الرقمي
لنبدأ أولا بطرح سؤال بسيط: هل يستطيع المُشاهد المعاصر متابعة فيلم كامل حتى لو كان سريع الإيقاع، دون النظر إلى هاتفه ؟ الإجابة على الأغلب هي لا، هذا أمر غير ممكن بشكل عام، وذلك لأن عصرنا الحالي مختلف تماما عن عصور الأجيال السابقة، لا سيما بالنسبة لجيل الألفية الثالثة.
ما دفع إلى طرح هذا السؤال ما ورد على لسان الممثل الأميركي مات ديمون خلال مقابلة أجريت معه حديثا إذ أدلى بتعليقات أدت إلى إثارة نوع من الصدمة بين المتابعين. ديمون قال إن منصات عرض مثل نيتفلكس أصبحت تطلب من المسؤولين عن الفيلم إعادة شرح الحبكة الرئيسية للفيلم عدة مرات خلال مدة عرضه (أربع مرات في أقل تقدير) لأن أغلب المشاهدين مشغولون بهواتفهم وعادة ما يفوتهم الكثير ويجب أن يُذكرهم الفيلم أين وصل الأبطال والقصة وما هي التطورات المهمة.
جاء حديث ديمون في مقابلة شارك فيها أيضا بن آفليك ضمن الترويج لفيلمهما المشترك الجديد “الشرك – The Rip”. ديمون قال أيضا إن هذا الطلب ينسف النمط المعروف المتعلق بتوزيع عناصر القصة على طول مدة الفيلم حيث هناك بداية ثم تصاعد في الحبكة ثم تأتي أقوى المشاهد في الفصل الثالث من الفيلم، ولكن ما يريدونه الآن، حسب قوله، أن يتضمن الفيلم مشهدا مهما خلال الدقائق الخمسة الأولى كي لا يغادر المشاهدون وذلك لأن المنصة تتوقع أن يكون الفيلم في النهاية مجرد خلفية، باعتبار أن المُشاهد سيكون منشغلا بأمور أخرى دون تركيز كامل على الفيلم.

أثار هذا الكلام نقاشا واسعا حول تأثير عادات المُشاهدة على إنتاج الأفلام وخياراتها الإبداعية في وقتنا الحالي لأنه كشف عن تغير عميق في هذه العادات لدى مُشاهد يكون مشغولا في العادة بتصفح تيك توك أو أنستغرام أو مواقع أخرى ويحتاج إلى ملخص يأتيه في شكل صوت واضح كل عشرين دقيقة ليعرف مسار الأحداث وكي لا يضطر إلى إعادة الفيلم من البداية. واعتبر البعض أن تصريح مات ديمون يمثل إعلانا رسميا عما يمكن تسميته بعصر سينما الهواتف المحمولة حيث يتحول الحوار في الفيلم إلى مجرد تذكير بالنتائج بين الفينة والفينة كي لا يغادر المُشاهد.

  • تشتت الانتباه وأزمة المُشاهد المعاصر
    هناك حقيقة واضحة وهي أن مُشاهد اليوم يختلف تماما عن مُشاهد الأمس لا سيما من الشباب. أولا هناك تطبيقات سريعة الإيقاع جدا تشرح أي فكرة في دقائق قليلة إن لم نقل في ثوان، ثم إن مُشاهد اليوم اعتاد الحصول على معلومة أو مشاهدة لقطة تشده كل عشر ثوان وإلا تشتت انتباهه وذهب يبحث عن فيديو آخر. وهذا ما يضع السينما في موقع لا تُحسد عليه خاصة وأن أفلام اليوم طويلة عادة ما تتجاوز الساعتين، فما العمل؟
    بشكل عام يتحدث كثيرون عن انخفاض متوسط انتباه المتفرج إلى حد بعيد حيث أصبح الذهن ينزعج إن لم يحصل على معلومة جديدة كل بضع ثوان وهو ما يتعارض تماما مع المبدأ الذي تقوم عليه مشاهدة أفلام سينمائية. أصبحت المُشاهدة أيضا نشاطا فرديا على الهاتف حتى أثناء متابعة فيلم ما، وهذا يعني أن عملية الإنغماس لا تتم بشكل كامل بل يكتفي المُشاهد بخطوط الفيلم العريضة وقصته دون التعمق كثيرا فيها.
  • تطور عادات المُشاهدة: من الصالات إلى المنصات
    كان المُشاهد عندما يذهب إلى صالات العرض السينمائي، يترك كل شئ خلفه ويجلس في الظلام ويكرس وقته كاملا لمتابعة فيلم معين. كان المُشاهد في الواقع يحترم الفيلم ولا يمكنه فقد التركيز لأن هناك ما سيفوته. أما اليوم فقد انتقلت عملية المُشاهدة إلى البيت أو في الطريق إلى العمل أو أينما كان المُشاهد بشكل عام ولديه ثوان أو دقائق قليلة لمتابعة شئ ما.
    يعني هذا أن عادات المُشاهدة قد تحولت من طقس اجتماعي كان يُمارَس في مكان محدد أي في دور السينما وكان على المُشاهد أن يلتزم بالمكان والزمان وإلا فاته الكثير. ثم تغيرت الأمور بعض الشئ عندما انتشرت التلفزيونات وانتقلت الطقوس إلى مكان آخر هو المنزل. ومع ذلك ظل الأمر يتطلب التزاما بالمكان والزمان المحددين وإلا فات المُشاهدين كل شئ. بعد ذلك، تطورت التكنولوجيا وأصبح في الإمكان تسجيل ما يتم عرضه ومتابعته لاحقا وهو ما أدى إلى منح المُشاهد حرية جديدة على صعيد الزمن ولكن ليس على صعيد المكان.
    اختراع التلفزيون نجح في الواقع في سحب البساط من تحت أقدام دور السينما اعتبارا من عام 1950 تقريبا وتحول تجمع أفراد الأسرة أو الأصدقاء إلى الصالون وفي وقت محدد مقيد بجدول العرض. وبعد 1980 وحتى عام 2000 أصبح في إمكان المُشاهد أن يوقف البث وأصبحت الأفلام متوفرة للاستئجار ويمكن إعادة مشاهدة الفيلم حسب الرغبة مع تسريع أو إعادة بعض المشاهد. أما اليوم فالمرء حر تماما لا يحتاج إلى أن يكون في مكان محدد ولا يحتاج إلى من يحدد له الزمان. هو وحده من يختار متى يريد أن يُشاهد وماذا يريد أن يُشاهد وذلك بفضل توفر الأجهزة المحمولة .
    اعتبارا من عام 2007، ظهرت منصات عرض على الانترنيت مثل يوتيوب ونيتفلكس وهو ما قلب كل شئ رأسا على عقب. ومع هذه المنصات هناك الهواتف ومواقع التواصل العديدة وعادة ما يوجد تداخل بين الاثنين مما أضعف التركيز بشكل أكبر. وتذكر الأرقام الحالية أن هناك حوالى 1.6 مليار مشترك لدى المنصات وأهمها يوتيوب ثم نيتفليكس ثم ديزني بلاس وأمازون.
  • جيل الشاشات والبحث عن بدائل

نتحدث هنا عن جيل الشاشات المتعددة، جيل الألفية الثالثة فهم من يحركون السوق ومن عادات هؤلاء تقطيع المشاهدة زمنيا مع تفضيل الهواتف وعادة ما يحدث ذلك أثناء التنقل أو خلال فرص زمنية قصيرة. ويبدأ الاهتمام بأي فيلم في الغالب بمشاهدة لقطة على تيك توك مثلا تخلق رغبة لدى الرائي للبحث عن الفيلم ثم يشاهده على منصة رقمية إن أراد. في السابق لم يكن يستطيع المُشاهد إيقاف لقطة أو إعادتها وهو ما يفرض عليه الحفاظ على تركيز كامل. أما اليوم فيمكن له أن يوقف عرض أي محتوى وإكمال مشاهدته لاحقا دون أي التزام. كان المُشاهد يتفرج أيضا على محتوى واحد في كل مرة ثم يملك الوقت الكافي للتفكير فيه وتحليله واليوم يمكن له أن يتنقل بين مختلف المحتويات دون أي فرصة للتوقف والتفكير في أحدها.
لنضف إلى ذلك نقطة مهمة وهي أن مُشاهد اليوم لم يعد هو من يختار ما يريد مشاهدته على الدوام بل الخوارزميات هي التي تفعل وهي تبدأ بالتعرف على اهتماماته ثم تقوم بمتابعتها ورصدها ثم تقترح عليه ما لديها بل وتفرضه عليه. وحاليا هناك توجه آخر على صعيد الأفلام يتجسد بالسينما التفاعلية والواقع الافتراضي حيث يرتدي المُشاهد نظارة خاصة تعزله تماما عن عالمه الحقيقي وتنقله إلى عالم رقمي افتراضي ثلاثي الأبعاد، ليصبح كأنه “داخل” الفيلم وليس مجرد متابع له من الخارج.
في النهاية لم تعد السينما حدثا اجتماعيا كما كانت في الماضي ولم يعد المشاهدون يذهبون إلى صالات السينما إلا في حالات خاصة وذلك لمشاهدة الأفلام الضخمة Blockbusters وأفلام الخيال العلمي التي تكون متابعتها أجمل وأكثر إمتاعا عندما يتم عرضها على شاشات ضخمة.
تجدون في نهاية المنشور رابط فيلم “الشرك – The Rip” على منصة نيتفليكس وهو من إنتاج 2026 ، بطولة مات ديمون وبن آفليك. #سينما العالم # مجلة ايليت فوتو ارت

https://www.netflix.com/watch/81915745?trackId=284616272&tctx=0%2C0%2C1043e2e5-bfdc-43c7-b64f-80fcaf19097d%2C1043e2e5-bfdc-43c7-b64f-80fcaf19097d%7C%3DeyJwYWdlSWQiOiI1ZWY1NGYyNC1jMzhmLTRmNmMtYWJlYy0wNzRlMTY0MzJmYWQvMS8vdGhlIHJpcC8wLzAiLCJsb2NhbFNlY3Rpb25JZCI6IjIifQ%3D%3D%2C%2C%2C%2CtitlesResults%2C81915745%2CVideo%3A81915745%2CminiDpPlayButton

أخر المقالات

منكم وإليكم