الطبيب الدمشقي: مسلم البارودي .لم تسعفه الراية البيضاء،العدوان الفرنسي في 29 أيار 1945م على دمشق.-خلدون عبد العزيز الخن.

الطبيب الذي أوقفوه على عتبة الرحمة

مشاهد من عدوان 29 أيار 1945 على دمشق.

بقلم خلدون عبد العزيز الخن..

في خريف الانتداب المتأخر، حين ظن الدمشقيون أن الغبار سيخفّ أخيراً عن مدينتهم، كان القدر يخبئ لهم فصولاً من نار لا تُروى بالماء. جاء 29 أيار 1945، ذلك اليوم الذي غدا في ذاكرة سوريا ندبةً لا تبرأ، لأن الذاكرة الجماعية، عندما تتجرع الألم، لا تتعافى منه: إنما تتحول هي نفسها إلى جرح.

قبل هذا اليوم بوقت قصير، وصل إلى دمشق فوج سنغالي يضم تسعمئة عسكري لتعزيز المواقع الفرنسية. وخرجت مظاهرات عمت المدن السورية رفضاً لهذا التعزيز. كان احتقان الأجواء يعلن عن كارثة قادمة، كأن المدينة كانت تتنفس بصعوبة قبل أن تخنقها الغازات والرصاص.

فصول من نار

في ظهيرة 29 أيار، أمر الجنرال روجيه عناصر حامية الدرك السوريين المرابطين على أبواب المجلس النيابي بأن يُنزلوا العلم السوري ويحيوا العلم الفرنسي. كان الرفض سورياً بامتياز: لا للخنوع، لا للإذلال. وكان الرد فرنسياً بامتياز: إطلاق النار. فسقط ثلاثة وعشرون شرطياً شهداء على أبواب المجلس، وارتقت أرواحهم قبل أن ترتفع أصواتهم.

ثم تحولت دمشق إلى جحيم مفتوح. صبت المدافع والدبابات والرشاشات حممها على المدينة المسالمة. لم يسمع إلا دوّي الانفجارات ودمدمة الرشاشات. اشتعلت الحرائق في كل مكان، فامتدت من شارع رامي الذي التهمته النيران بأكمله، إلى المرجة التي احترقت حوانيتها ومكاتبها. وفي ناحية أخرى، كان شارع النصر قد غطته النيران التي وصلت إلى جامع تنكز، وشب حريق كبير آخر في زقاق المغسلة وامتد إلى شارع فؤاد الأول حتى بوابة الصالحية.

تلك كانت دمشق، أم المدن وأقدم عواصم الأرض، تُقصف وتُحرق وتُدمى، في انتهاك ليس فقط للإنسانية، بل للأبدية نفسها.

يد بيضاء في ليلة سوداء

في وسط هذا العتم، خرج طبيب. اسمه مسلم البارودي، وكان موظفاً في محافظة دمشق. لم يحمل سلاحاً، بل حمل حقيبة إسعافه وراية بيضاء. توجه إلى ساحة الحجاز حيث تضرر فندق الشرق وسقط الجرحى. كان الناس يصرخون، والجرحى يتألمون، والدماء تجري على الأرصفة كما تجري مياه الحجاز أيام الحجيج.

كان البارودي يرفع على سيارته علماً أبيض، تلك الإشارة التي يفترض أن تحمي الأطباء والممرضين في كل أرض وفي كل زمان. ولكن الفرنسيين لم يكونوا يقرؤون لغة الأبيض، لأن أيديهم كانت مغموسة بالسواد. أطلقوا النار عليه.

صورة حزينة: طبيب سوري ينهار في ساحة الحجاز، أمام فندق أورينت بالاس، في اليوم الثاني للعدوان، 30 أيار 1945. رصاصة واحدة كافية لقتل طبيب، لكنها لا تكفي لقتل ذكرى. ظل هناك ممدداً، كأنه كان يحتضن الأرض التي حاول إنقاذ أبنائها.

ذكرى في حجر وماء

في العام نفسه، نُقش اسم مسلم البارودي على سبيل ماء كان يتوسط ساحة محطة الحجاز. وتحول ذلك السبيل إلى نصب تذكاري صامت، يشهد على أن الرحمة، حتى لو قُتلت، تبقى حية. كل من يشرب منه يتذكر أن طبيباً استُشهد في هذا المكان بالذات، وهو يؤدي واجبه.

وكان الدكتور مصطفى البارودي، شقيق الشهيد، أستاذاً جامعياً وشاعراً، وتولى حقيبة وزارة الإعلام في عهد الرئيس ناظم القدسي. أما الطبيب الشهيد، فظل اسمه على ذلك السبيل، كأنه يقول لكل عابر: هذا هو ثمن الحرية، وهذا هو معنى الإنسانية.

خاتمة: ما الذي بقي؟

بعد كل هذه السنوات، لم يبقَ من العدوان الفرنسي سوى الشهادات والمذكرات وبعض الصور الباهتة. لكن ما بقي من أرواح الشهداء، وما بقي من كبرياء أولئك الذين رفضوا الإذلال، لا يُمحى بمرور الزمن.

يقولون إن التاريخ يعيد نفسه. لكن بعض الأحداث تُنقش على جدران الروح، فلا يطمسها شيء، ولا يُنسيها سوى الجحود. دمشق التي قُصفت عام 1945 عادت لتُقصف مرات ومرات. كل حقبة لها ظالمها، وكل عصر له طغاته. ولكن القاسم المشترك بين كل هذه الأحداث هو أن هناك دائماً من يصر على الوقوف في وجه الظلم، ولو كلفه ذلك حياته.

الطبيب مسلم البارودي لم يكن بطلاً لأنه مات، بل لأنه اختار أن يموت وهو ينقذ. وفي هذا الاختيار يكمن سر الخلود الإنساني.

رحمة الله على الشهيد مسلم البارودي، وعلى جميع شهداء سوريا الأبرار.

المراجع

· ويكيبيديا، “قصف دمشق (1945)”، تاريخ الوصول: أيار 2026.
· ويكيبيديا، “ساحة الحجاز”.
· جوزيف زيتون، “سبيل ماء الحجاز.. سبيل الطبيب الشهيد مسلم البارودي”.
· المدونة السورية عبر فيسبوك، “من التاريخ * الشهيد البطل الطبيب مسلم البارودي”.
· رصيف22، “أين كان قادة سورية يوم 29 أيار 1945؟”.
· ويكيبيديا، “الاحتجاجات السورية 1945”.
· روسيا اليوم بالعربية، “الحرب ثلاثة أيام على دمشق”.
· المجلة، “قصف دمشق… من العثمانيين والفرنسيين إلى الإسرائيليين”.

أخر المقالات

منكم وإليكم