الزمكان والمادة .. بحث تحليلي حول توسع النسيج الكوني.

في أواخر القرن العشرين، كان علماء الفلك يعتقدون أن قصة الكون واضحة المعالم: انفجار عظيم ولّد الزمكان والمادة، ثم توسّع كوني يتباطأ تدريجيًا تحت وطأة الجاذبية. كانت الصورة منطقية، متماسكة، ومبنية على قرن كامل من الفيزياء الكلاسيكية والنسبية. لكن في عام 1998، حدث ما قلب هذه القصة رأسًا على عقب، وفتح بابًا لأحد أعظم ألغاز العلم الحديث: الطاقة المظلمة.حين تسارع الكون على غير المتوقعفي مختبرات ومراصد موزعة بين تشيلي وهاواي والولايات المتحدة، كان فريقان علميان مستقلان يدرسان انفجارات نجمية بعيدة تُعرف باسم المستعرات العظمى من النوع Ia. هذه الانفجارات تُعد “شموعًا كونية معيارية”، أي أن سطوعها الحقيقي معروف، مما يسمح بقياس المسافات الكونية بدقة عالية. الهدف كان بسيطًا: قياس سرعة تباطؤ توسّع الكون. لكن النتائج جاءت صادمة. بدلًا من التباطؤ، أظهرت البيانات أن الكون لا يزال يتوسع… بل ويتوسع بوتيرة متسارعة.لم يكن الخطأ في الأجهزة، ولا في الحسابات، ولا في تفسير البيانات. وبعد سنوات من التحقق والمراجعة، أصبح واضحًا أن هناك قوة خفية، غير مرئية، تدفع الكون إلى التمدد على نحو متزايد. هذه القوة الغامضة أُطلق عليها اسم الطاقة المظلمة.التوسع الكوني من هابل إلى العصر الحديثبدأت قصة توسّع الكون عام 1929، عندما اكتشف إدوين هابل أن المجرات البعيدة تبتعد عنا، وأن سرعة ابتعادها تتناسب مع بعدها. هذا الاكتشاف رسّخ فكرة أن الكون ليس ثابتًا، بل يتمدد. ووفقًا لفهم الفيزياء آنذاك، كان من المتوقع أن تُبطئ الجاذبية هذا التمدد بمرور الزمن، تمامًا كما تُبطئ الجاذبية كرة مقذوفة إلى الأعلى.لعدة عقود، ظل هذا الافتراض قائمًا. حتى ألبرت أينشتاين، الذي أدخل ثابتًا كونيًا في معادلاته للحفاظ على كون ساكن، اعتبر لاحقًا أن ذلك كان “أكبر أخطائه”. لكن المفارقة أن هذا الثابت عاد للواجهة لاحقًا بوصفه مرشحًا محتملًا لتفسير الطاقة المظلمة.الاكتشاف الصادم عام 1998عندما حلّل فريقا البحث بيانات المستعرات العظمى البعيدة، وجدوا أن هذه الانفجارات أخفت مما ينبغي أن تكون عليه. التفسير الوحيد لذلك هو أنها أبعد مما توقعته النماذج السابقة، أي أن الكون تمدد أكثر مما كان متوقعًا خلال رحلتها الضوئية إلينا. النتيجة الحتمية: التوسع الكوني يتسارع.هذا الاكتشاف لم يكن مجرد تعديل بسيط في الأرقام، بل انقلابًا في فهم بنية الكون. في عام 2011، مُنح قادة هذين الفريقين جائزة نوبل في الفيزياء، اعترافًا بأنهم كشفوا عن مكوّن جديد يهيمن على مصير الكون.ما هي الطاقة المظلمة؟الطاقة المظلمة ليست مادة، ولا إشعاعًا، ولا قوة تقليدية. هي مصطلح يُستخدم لوصف ظاهرة فيزيائية تُشكّل نحو 68% من محتوى الكون الكلي. لا يمكن رؤيتها، ولا قياسها مباشرة، لكن تأثيرها يظهر بوضوح في حركة المجرات وتاريخ التوسع الكوني.أحد أبسط التفسيرات هو أن الطاقة المظلمة خاصية متأصلة في نسيج الفضاء نفسه. فكلما تمدد الفضاء، زادت كمية هذه الطاقة، مما يؤدي إلى تسارع إضافي في التوسع. وهناك فرضيات أخرى ترى أنها ناتجة عن حقل ديناميكي يتغير مع الزمن، أو حتى عن قصور في فهمنا للجاذبية على المقاييس الكونية الكبرى.الأدلة الرصدية المتراكمةلم يقتصر الدليل على المستعرات العظمى. فقياسات الخلفية الكونية الميكروية، وهي الإشعاع المتبقي من عمر الكون المبكر، أظهرت أن هندسة الكون قريبة جدًا من الهندسة المسطحة، ما يعني أن مجموع الطاقة فيه يساوي قيمة حرجة. عند جمع مساهمة المادة العادية والمادة المظلمة، تبقى فجوة كبيرة لا يملؤها إلا وجود طاقة إضافية: الطاقة المظلمة.كما أظهرت دراسات توزيع المجرات والتجمعات المجرية أن بنية الكون الواسعة لا يمكن تفسيرها دون إدخال هذا العنصر الغامض الذي يؤثر على التوسع عبر مليارات السنين.مستقبل الكون تحت هيمنة الطاقة المظلمةإذا استمرت الطاقة المظلمة على حالها، فإن مصير الكون سيكون توسعًا أبديًا. ستبتعد المجرات عن بعضها البعض إلى درجة يصبح فيها كل تجمع مجري معزولًا عن الآخر، وتبرد النجوم، وتنطفئ مصادر الطاقة، فيما يُعرف بسيناريو “الموت الحراري للكون”.لكن إذا تغيّرت خصائص الطاقة المظلمة مع الزمن، فقد يكون المستقبل أكثر غرابة، من تمزق كوني شامل إلى سيناريوهات أخرى لا تزال قيد الدراسة.لغز مفتوح في قلب الكونالطاقة المظلمة ليست مجرد تفصيل غامض في معادلات كونية، بل هي المفتاح لفهم مصير الكون بأكمله. إنها تذكير صارخ بأن معرفتنا، رغم تقدمها الهائل، لا تزال تلامس فقط سطح الحقيقة. فبينما نستطيع تتبع ولادة النجوم، ورصد الثقوب السوداء، وفهم دقائق العالم الذري، يبقى السؤال الأكبر معلقًا في الفراغ:ما الذي يدفع الكون إلى التوسع المتسارع؟إلى أن يُجاب عن هذا السؤال، ستظل الطاقة المظلمة أحد أعظم ألغاز الفيزياء الحديثة، وحدودًا مفتوحة لعقل الإنسان في رحلته لفهم الكون.#DarkEnergy#AcceleratingUniverse#Cosmology#MysteriesOfTheUniverse…ـ مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم