الرواية التي لم يجرؤ تولستوي على نشرهاجودت هوشيار
ليست كل رواية يكتبها مؤلفها قادرة على أن تثير في نفسه الخوف من نشرها، لكن «الشيطان» كانت واحدة من تلك الروايات النادرة التي آثر ليف تولستوي أن تبقى بعيدة عن أعين القراء طوال حياته. فقد أدرك أن صفحاتها تحمل من اعترافاته الشخصية ما يجعلها أقرب إلى سيرة ذاتية مقنّعة منها إلى عمل روائي متخيَّل. وفيها يواجه الكاتب، بصدق لافت وجرأة غير معهودة، ذلك الصراع الأبدي بين الشهوة والضمير، كاشفًا للقارئ جانبًا خفيًا من حياته النفسية والعاطفية، ظل طويلًا بعيدًا عن الصورة التقليدية لتولستوي الحكيم والمصلح الأخلاقي.كُتبت الرواية في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، لكنها لم تُنشر إلا بعد وفاة مؤلفها، إذ لم يشأ تولستوي أن يراها القراء وهو على قيد الحياة. فهي ليست مجرد عمل أدبي، بل تكاد تكون اعترافًا مؤلمًا يكشف صراع الإنسان مع الرغبة والإغواء وتأنيب الضمير، ويقترب من حدود السيرة الذاتية أكثر مما يقترب من الخيال المحض.وتكتسب الرواية فرادتها من أنها تتناول أمورًا شخصية وحميمة نادرًا ما يجرؤ كبار الروائيين على الإفصاح عنها بهذه الصراحة. فهي تقدم لنا تولستوي في صورة مختلفة عن تلك التي رسختها رواياته الكبرى، مثل «الحرب والسلام» و**«آنا كارينينا»**؛ إذ نراه هنا إنسانًا يصارع شهواته ونزواته، لا المصلح الأخلاقي الذي عرفه العالم في سنواته الأخيرة.بطل الرواية، مالك الأرض إيفجيني إرتينييف، ليس مجرد شخصية متخيلة، بل يحمل بوضوح ملامح من سيرة تولستوي نفسه. فقد عرف الكاتب في شبابه انجذابًا إلى فلاحة شابة تُدعى أكسينيا بازيكينا، كما ارتبط اسمه في سنوات لاحقة بالطاهية دومنا. وقد تحولت هذه التجارب، بعد سنوات من التأمل وتأنيب الضمير، إلى المادة الخام التي صاغ منها رواية «الشيطان». ولهذا يشعر القارئ بأن أحداثها لا تُروى من خارج التجربة، بل تنبع من ذاكرة عاشها الكاتب بكل تناقضاتها وآلامها.غير أن كلمة «الشيطان» لا تشير هنا إلى كائن خارق، بل إلى ذلك الشيطان الكامن في أعماق النفس؛ إلى الرغبة التي تتسلل خفية، ثم تستولي على الإرادة حتى يصبح الإنسان أسيرًا لها. ومن هنا تتحول الرواية إلى دراسة نفسية نافذة للصراع بين الواجب الأخلاقي والشهوة، وبين الحياة الزوجية المستقرة وقوة الإغواء التي تلاحق البطل حتى تكاد تدمر حياته. ويبلغ هذا الصراع ذروته في نهاية الرواية، التي وضع لها تولستوي خاتمتين مختلفتين، تاركًا للقارئ حرية التأمل في المصير الذي يراه أكثر انسجامًا مع طبيعة الشخصية.ولا تقل قصة كتابة الرواية وإخفائها إثارة عن أحداثها. فقد كان تولستوي يدرك أن المخطوطة تتضمن اعترافات قد تؤذي زوجته صوفيا أندرييفنا، لذلك لم يضعها ضمن أعماله المعدة للنشر، بل سلّمها أولًا إلى سكرتيره فلاديمير تشيرتكوف. ولم يحتفظ تشيرتكوف بالمخطوطة في منزله بموسكو، بل أودعها لدى والدته في سانت بطرسبرغ، ثم نسخها في عدة نسخ، وأعاد إحداها إلى تولستوي، الذي أخفاها بنفسه داخل تنجيد أريكة قديمة في منزله، معتقدًا أنها ستظل بمنأى عن الأنظار.غير أن السر لم يبقَ مكتومًا. ففي ربيع عام 1909 عثرت صوفيا أندرييفنا، أثناء ترتيبها أوراق زوجها، على المخطوطة المخفية. وكانت تعلم من يومياته القديمة أنه عرف في شبابه علاقات عاطفية مع بعض الفلاحات، لكن رؤية تلك الذكريات وقد تحولت إلى عمل أدبي أعادت إلى السطح جراحًا لم تندمل. وانفجرت على إثر ذلك مشادة حادة بين الزوجين، زادت من توتر العلاقة بينهما في السنوات الأخيرة من حياة تولستوي، وهي العلاقة التي انتهت بخروجه من منزله في ياسنايا بوليانا عام 1910، قبل وفاته بأيام قليلة في محطة أستابوفو.وهكذا تبقى «الشيطان» من أكثر أعمال تولستوي جرأة وصدقًا، لأنها لا تروي مأساة بطل متخيَّل بقدر ما تكشف مأساة الإنسان حين يجد نفسه ممزقًا بين ما يمليه الضمير وما تفرضه الغريزة. ولعل هذا هو السبب الذي جعل الكاتب يخشى نشرها طوال حياته؛ فقد كانت أقرب إلى اعتراف شخصي منها إلى رواية. وحين نطوي صفحاتها لا يبقى في الذاكرة مصير إيفجيني إرتينييف وحده، بل صورة تولستوي نفسه، وهو يقف أمام شياطينه الداخلية بشجاعة نادرة، محوِّلًا أكثر لحظات حياته خصوصية واضطرابًا إلى أدب رفيع يواصل، بعد أكثر من قرن، مساءلة النفس البشرية وكشف أعماقها.
#حودت هوشيار#مجلة ايليت فوتو ارت..


