التوجيه الأخلاقي والتربوي في مسرحيات الطفل بين المباشرة والتضمين
أكثر من يكتبون مسرحيات الطفل يوجهون في مسرحياتهم الأطفال بشكل مباشر وبأسلوب خطابي للقيم التي يدعونهم إليها في هذه المسرحيات، وهم يفعلون ذلك؛ لأنهم يَرَوْن أن الرسائل الأخلاقية والتربوية هي أهم ما في هذه المسرحيات، ويحرصون على وصولها للأطفال الذين يقرءون هذه المسرحيات أو يشاهدونها بأي وسيلة ممكنة، ومن ذلك هذا التوجيه المباشر منهم للأطفال في هذه المسرحيات.
ومن هؤلاء الكتاب والشعراء الذين يكتبون مسرحيات للطفل، ويحرصون على التوجيهات المباشر فيها – لا سيما في بدايتها وختامها – الشاعر الكبير أحمد سويلم، فإننا نراه في كل مسرحياته الشعرية التي كتبها للطفل يحرص حرصا كبيرا على ذكر هذه التوجيهات الأخلاقية والتربوية فيها للأطفال في بدايتها وختامها، فهو مع بداية كل مسرحية يعرف عن طريق الراوي فيها – سواء أكان الجد أو المهرج – ما سوف يكون في المسرحية التي سيتم عرضها من توجيهات أخلاقية وتربوية، ونرى ذلك الراوي يؤكد للأطفال مرة أخرى في ختام المسرحية ما تضمنته من تلك التوجيهات الأخلاقية والتربوية.
وأيضا نرى الشاعر والكاتب الكبير سمير عبد الباقي يحرص في أكثر مسرحياته للطفل على ذكر توجيهاته الأخلاقية والتربوية فيها بشكل مباشر، وبطريقة خطابية، كما نرى ذلك على سبيل المثال في مسرحية دبدوب يجد عملا، فلا يكتفي بما سيلمسه الأطفال في أحداثها من الحث على العمل وترك الكسل، ولكنه يقوم في نهايتها بتأكيد هذه القيمة الأخلاقية بشكل مباشر وخطابي، والأمر كذلك في مسرحية حكاية الشاطر قرن الفول، ومسرحيات أخرى عديدة له للطفل.
أكثر من ذلك أننا نرى بعض مسرحيات لسمير عبد الباقي للطفل يذكر في مقدمتها على لسان الراوي أو غيره من شخصيات مسرحياته – الأهداف الأخلاقية التي تحث عليها هذه المسرحيات، ونفاجأ بعد ذلك من تأملنا لهذه المسرحيات بأنها تهدف لقيم أخلاقية غير تلك التي ذكرها المؤلف في بدايتها، كما نرى ذلك بشكل واضح في مسرحية سبع في القفص أو اعمل معروف يا قرد، فقي بداية هذه المسرحية يذكر المؤلف أنها تهدف إلى التأكيد على الصداقة، أو عن إعمال العقل، أو عن خطر الحماقة، ولكننا نرى أن القيمة الأساسية التي تهدف إليها هذه المسرحية هي عن أهمية رد المعروف لأهله، ومكافأة المحسن على إحسانه، وهذا ما لم يذكره المؤلف في عرضه في مقدمة هذه المسرحية للقيم الأخلاقية التي تحث عليها هذه المسرحية.
وبعض كتاب مسرح الطفل نراهم يوجهون الأطفال في مسرحياتهم للطفل لبعض القيم الأخلاقية بأسلوب فيه قدر من التفلسف والتعقيد والمباشرة أيضا، كما نرى ذلك في مسرحية رحمة وأمير الغابة المسحورة لألفريد فرج، ففي نهاية هذه المسرحية يتكلم الساحر الحكيم فيها لأهل مدينته بشكل فيه قدر من التفلسف والغموض، ويعرفهم أنهم بعد أن حولهم لوحوش،ثم عادوا لبشر بحدوث الرحمات الخمس لهم صاروا أكثر استعدادا لمواجهة كل الذين يفكرون في الاعتداء عليهم، والحقيقة أن أهل هذه المدينة لم يفعلوا شيئا حقيقيا يجعلهم بأنفسهم قادرين على الغرباء الأعداء الذين يطمعون فيهم، فلم يتحصنوا بالعلم، ولا بقوة الأسلحة، ولكن الساحر الحكيم هو الذي حولهم لوحوش ثم عادوا لبشر بعد ذلك، وبهذا تعد توجيهاته الخلقية في نهاية المسرحية في غير مكانها، كما أن بها قدرا من الغموض والتفلسف لا يناسبان مسرح الطفل.
وما أريد أن أصل إليه هنا أن رغبة كتاب مسرح الطفل في بث توجيهات أخلاقية وتربوية في مسرحياتهم للطفل؛ ليقتدي بها الأطفال في حياتهم وسلوكياتهم – شيء حميد، ولكن ذلك لا يجب أن يتم بشكل مباشر وبأسلوب خطابي.
ولَو أراد هؤلاء الكتاب توجيه مثل هذه القيم والنصائح للأطفال بشكل مباشر فأولى بهم أن يستخدموا وسيلة أدبية أخرى غير المسرح، كالمقال والخطابة، ولكن الأمر في المسرح غير ذلك، فيجب أن يكون التوجيه الأخلاقي والتربوي فيه بشكل غير مباشر، بحيث يكون في الأحداث نفسها وما تنتهي إليه في تلك المسرحيات، فيأخذ الأطفال العبرة بهذه الصورة، دون أن يشعروا بخشونة التوجيه ومباشرته.
وهناك بعض المسرحيات للطفل نرى فيها ذلك التوجيه غير المباشر، ومن ذلك مسرحية كراكيب في المسرح لسعيد حجاج، ففي هذه المسرح وجه المؤلف الأطفال لبعض التوجيهات الأخلاقية، وأضاف لهم بعض المعلومات عن المسرح دون مباشرة، ولكن من خلال سياق الأحداث في هذه المسرحية.
وكذلك نرى الكاتب مجدي مرعي في مسرحية فل يا فل – وهي مونودراما موجهة للطفل – يعالج إحدى قضايا الطفل المهمة في واقعنا، وهي مشكلة أطفال الشوارع، ولكن دون مباشرة وخطابة، بل من خلال تصوير الأحداث، وسيرها في تلك المسرحية.
#علي خليفة#مجلة ايليت فوتو ارت.


