بحلول القرن السادس عشر، كان نفوذ الكنيسة الكاثوليكية في روما يمتد على أرواح ومصائر سكان القارة العجوز، مشكلةً شبكة روحية وسياسية هائلة تملك مفاتيح الجنة والجحيم في أعين الملايين، وتتنافس مع تيجان الملوك والأباطرة في السيطرة على الأرض. وفي ظل هذا النفوذ الجبار، جاب الراهب الدومينيكاني “يوهان تيتزل” المدن والقرى الألمانية، يروج لبضاعة سماوية ثمينة: “صكوك الغفران”، مقنعاً الكثيرين بأن مساهماتهم المالية في صندوق الكنيسة تسرّع تحرير أرواح ذويهم من المطهر، محولاً الخلاص الإلهي إلى عملية تبدو تجارية في عيون النقاد، مما أثار غضباً في صدر راهب أوغسطيني وأستاذ لاهوت في جامعة “فيتنبرغ” يدعى “مارتن لوثر”.وفي الواحد والثلاثين من أكتوبر عام 1517، اتخذ لوثر خطوته التاريخية. توجه نحو “كنيسة القلعة” في فيتنبرغ، حاملاً وثيقة طويلة باللاتينية تحمل “أطروحاته الخمس والتسعين”، فنشرها على باب الكنيسة في تقليد أكاديمي شائع آنذاك، فند فيها سلطة البابا في منح الغفران، مؤكداً أن التوبة عمل قلبي خالص بين العبد وربه، وأن الإيمان وحده طريق الخلاص. ظن لوثر أنه يفتح نقاشاً أكاديمياً محلياً، لكن مطبعة غوتنبرغ نقلت كلماته كالنار في الهشيم، فوصلت نسخ البيان إلى كل ركن في ألمانيا ثم عبرت الحدود إلى فرنسا وإنجلترا في أسابيع، معلنةً بدء ثورة جديدة.أدركت روما حجم الخطر، فاستدعت الراهب المتمرد، لكن حماية الأمراء الألمان (الذين رأوا في الإصلاح فرصة للاستقلال عن روما) حالت دون مصير أسوأ. وفي عام 1521، مثل لوثر أمام “مجمع فورمس” في مواجهة مبعوثي البابا والإمبراطور الروماني المقدس “شارل الخامس”. طُلب منه التراجع عن كتبه، فوقف لوثر أمام الحشد الإمبراطوري وأعلن بثبات أنه يرفض ذلك.أهدر الإمبراطور دمه، فدبّر أمير ساكسونيا “فريدرش الحكيم” عملية اختطاف وهمية لإنقاذه، وأخفاه في قلعة “فارتبورغ” المعزولة. في تلك العزلة، ترجم لوثر العهد الجديد من اليونانية واللاتينية إلى الألمانية البسيطة، ثم أكمل الكتاب المقدس كاملاً لاحقاً، كاسراً احتكار الكهنة للنص الديني، وواضعاً “الكتاب المقدس” بين أيدي الفلاح والعامل، موحداً اللغة الألمانية ومرسخاً مبدأ “كهنوت جميع المؤمنين”.خرجت الأفكار من القلعة لتحرّك واقعاً سياسياً وعسكرياً. استلهم الفلاحون شعارات الإصلاح في “حروب الفلاحين” عامي 1524-1525 رغم إدانة لوثر القاسية لها لاحقاً، وتمزقت الخريطة الأوروبية إلى معسكرين: بروتستانت في الشمال وكاثوليك في الجنوب. تهاوت وحدة الغرب المسيحي، وتغيرت موازين القوى، ممهدةً مع عوامل أخرى للدول القومية الحديثة وأخلاقيات عمل بروتستانتية ساهمت في صعود الرأسمالية. كانت خطوة لوثر البسيطة على باب كنيسة فيتنبرغ زلزال حضاري لم يتوقعه هو نفسه، أعاد تشكيل عقائد وخرائط وهويات ملايين البشر، واضعاً حجر أساس للعصر الحديث الذي يقدّس حرية الفرد وضميره.# حقبة تاريخ# مجلة ايليت فوتو ارت.


