سيدة الوقت
لم أجد مرة ما يشبهني في الأغاني الكلثومية، ولطالما اعتذرت من عشّاقها، وبإخلاص، خاصةً أني اعتبرت علاقتي بالموسيقى لا نقاش حولها؛ حيث إنه لو خُيّرتُ في جزيرة مهجورة بين كتاب أو فيلم أو لوحات، لاخترت مكتبة موسيقية بمئات الأطياف والأمزجة، ولاستغنيتُ إن كان متاحاً حتى عن الطعام، “عشقي الأبدي”، مقابل تلك الصحبة الصوتية.
ثم تصل المنفى، وتحضر جزيرتك المهجورة فيك، وتفتقد كل ما كنته، ثم يتغير هذا “الكل” أيضًا.
“بيريّحني بُكايا ساعات”
قدّرتُ أم كلثوم بسبب تقديري للموسيقا وللمعارف، ولأن عليّ أن أفعل، لكنني لم أدخل عالمها إلا حين وصولي إلى السهل الكندي، حيث فهمتُ، قطرةً بعد قطرة، وبحفر أنسجة الوقت في عباءة العمر، قطبةً بعد قطبة، ويصير أن تتّضح أمامك فلسفة الأنهار، ويصبح الانتظار فكرةً تُعتنق. عندها أصابني مَسُّ الهوى، ووقعتُ في الحب “الحقيقي” من شاهق. ولم أنجُ من الشرير عند سقوطي المدوي وفي يدي تفاحة الغرام تلك. لم أكن آنذاك صغيرة، لا على الحب، ولا طارئة على تجارب الحياة وتعقيداتها. كنتُ امرأةً مستحقةً للتجارب، تعدّ سنواتها الخامسة والأربعين دون رأفة، وبغير تسامح.
اسأل عن اللي يقضي الليل
بين الأمل وبين الذكرى
في تلك السنة، ضربني الصقيع الكندي بمقتلَين: بالحب، وبقوة السهول. فمضى الوقت كما لم يمضِ من قبل، ولقّنتُ درسًا: فالسهل ابنُ الوقت والتأمل، حيث لا يحدث شيء إلا على مهل، وما تراه هو ما يراه من يراقب الساعات المنقضية في فعل اللاشيء. وهكذا، حولني الحب الحقيقي من إنسان شاعري إلى إنسان رومانسي. وشتّان بين الاثنين. أعلم تمامًا أننا نبحث في الأغاني عمّا يشبهنا، يشبه مواقفنا الأولية من المفاهيم والأسئلة، وكيف ومتى تشكّلت. نبحث عمّا يرنّ في ذاكرتنا، إن كان حنينًا أو استرجاعًا لمن نكون وما نحن عليه. ولهذا، عندما بدأتُ باستقبال أغاني أم كلثوم بحاضنة شعورية مغايرة، علمتُ أيضًا أن هناك ما تغيّر في داخلي بلا رجعة.
وعيتُ أن للجغرافيا دورًا لا يقبل المساومة ولا يرضى بالتجاهل، كونه دورًا مؤسِّسًا في صناعة الذائقة والبشر أيضًا، ليس بحالتها الإرثية فقط، بل بحالات آنية أكثر، قد تتغير بتغيّر المكان. وأنا غيّرتُ مكاني إلى نقيضه، فأصبحت الأحراش الملتفّة، والجبال المرتفعة، والغيوم العملاقة في السماوات العاليات، مجرد ذكرى لابنة قرية سورية تتسامى صعودًا إلى آلاف الأمتار حيث البدء، ثم بانسلاخها عن أمكنتها ومألوفيتها، وفي الخامسة والأربعين، صار أن سقطتُ في الحب “الحقيقي” من شاهقٍ لم يصل إلى مستقر. وصفُه بـ”الحقيقي” لا علاقة له بكون ذلك الحب حقيقيًا فعلًا أم لا، فما ميّزه لم يكن سوى اختلافه عمّا سبق من “حُبْحُبات”. فالحياة، ما قبل الخامسة والأربعين، لم تبخل عليّ بعلاقاتٍ أخّاذة، وأعترف أنها، بكرمها، سمحت لي بالاشتباك مع أرواحٍ لا يمكن مضاهاة جمالها. ولهذا، وعلى الرغم من يقيني بأن كل ما مرّ كان حبًا خالصًا أيضًا، فإنه كان حبًا لم يفهم الزمن، ولم يُحتضن بالوقت.
بعدِ ما تعَوِّدت بُعدَك غصبٍ عنّي
بعدِ ما نسيت الأماني والتمنّي
كلمتين اتقالوا
شالوا الصبر منّي
أعلم أنني في حياتي السابقة اتسمتُ بالشاعرية، لكني لم أكن رومانسية أبدًا. فالشاعري، رجلًا كان أو امرأة، قد يشعل حربًا، يأمر بعبور البحار، يحتلّ مدينة، يمتطي خيول الليل وينحرها على أبواب القلاع الموصدة، لكن الرومانسي وحده من يفهم ذبول الزهرة البرية بين دفّتي كتاب، الرومانسي وحده من يتقن سهاد الليالي، ويمنح شعر طفولته المنذور لحبيبته، وإذا أحب قليلًا صمت وتلاشى، وإن أحب أكثر انتحر.
يا دنيا حبي وحبي وحبي
ده العمر هو، الحب وبس
وعالم أم كلثوم ليس شاعريًا بهذا المعنى، بل هو عالمٌ رومانسي، فلا يليق به سوى العلاقات المتجذّرة في الزمن، الحاضرة بثقلها وامتدادها. فأغانيها الطويلة تشبه ليالي الغربة، تشبه الوقت الذي لا يمضي لأنه يعرف ما يفعله بك، فتُعِدّ ذاتك للخلود معه، للاستلقاء في حضن الآخر دون تعب الأسئلة وقسوة الشك. تعرّفتُ على الحب لأنني وعيتُ أن هناك ما ثبت في داخلي، ثبوتَ السهول، وسيرَ الأنهار إلى مستقرها بوشوشة هامسة للساعات.
إلا عيونك إنت، دول بس اللي خدوني
وبحبك أمروني
أمروني أحب، لقيتني بأحب
وأذوب في الحب، وصبح وليل على بابه
فقصص الحب الكلثومية لا تعبد الفرد المكتفي ولا تنظّر للوحدة، إنها تحفزك على أن ترمي ذاتك في الآخر لتكتمل.
وها أنا، قبل وصولي إلى كندا، وقبل أن أرمي ذاتي لسيدة الوقت كي تعلّمني قيمة الإيمان، ومعنى التسليم، قبل المعارف التي أنضجت اعتباطيتي، وتهوّري، ونفوري الهائل، وخوفي من الحميمية، قبلها لم يسمح قلبي بغير المشاعر المتقلّبة، الشكّاكة، السريعة كانكسار الشلالات في جبال الصوان، والرؤى المتوارية، المتلاشية وراء الهضاب. قبلها أيضًا لم أعتد السهول، ولا النظرات غير المتقطعة، كرؤى منامات “ملغمطة” بين حاضرٍ وماضٍ. فهمتُ امتداد الأرض اللينة، والنظر في عمق لا يوقفه حد، ولا يصله قعر. فهمتُ الزمن الذي لا يعطّله مروره شيء، ولا يشاغب عليه صوت، حتى لو كان صوت تفجّر ينبوع، أو هطول ربيعي، مزاجي لأمطار ما قبل التاريخ. فهناك، في مونتريال، مدن الأنهار الكبرى، والحب الكبير، لا يليق بصحبتك سوى طول الأغاني، والميلوديات التي تظل تلهث بذكر المعشوق، كصوفيّ يضاجع الحب بالآهات. فالحب عندها لا يُمنح لغير ذاته، لكونه لا يكتمل إلا في حبيب،
هو الـ”لا أحد”.
دي ليلة حب حلوة بألف ليلة وليلة
بكل العمر… هو العمر إيه غير ليلة زي الليلة؟
الأغنية التي لا تنتهي هي سنواتُك مع ذاك “الحب” الذي لا تليق به سوى السنين. اختبر نفسك ولو قليلًا: هل فكّرتَ بنشوة المغامرة؟ هل فكّرتَ بأن تهب نفسك لأغنية كلثومية بعد مغامرة مشتعلة انقضت بليلةٍ أو ليلتين؟
قد تهب قلبك المكسور لآنية المغامرة، فتعيش كبسولة مشاعر مكثفة في أغنية من دقيقتين، تتبعها كبسولة مشاعر أخرى بثلاث دقائق. لكنك عند خسارة الحب العظيم، أو الشكوى من الحب العظيم، ستجلس مانحًا نفسك للوقت، للسهول، وللأنهار، تناجي وتعيد مناجاة ما خسرت.
إنت فين، والحب فين؟
فالميلانكوليا الكلثومية جرعتها كبيرة ومكتملة، ليست عصفًا لعلاقات قصيرة؛ إيقاع ميلانكوليتها يشبه القاهرة: ثابت، طويل، لا يُزحزح، كما طرقاتها التي تمضي دون أن تدرك أنك تحرّكت. ميلانكوليا سيدة الوقت، يهدهدها نهرٌ عظيم؛ فبطء النيل وثباته يليق بالعِشرة. فهي الرفيقة، الراعية، التي لا تُعشق فقط، بل يُتشكّى لها من ظلم الحب، وسيرته، وقهره.
في أغانيها لم تحضر الشهوانية بجانبها الإيروتيكي العجول، بل تجلّت في لقاء جسدين ساعدهما الزمن على فهم كل إيماءة، كل رغبة، كل حزن طويل. وحتى عندما اصطحب العود أغانيها كقائد أول، لم أستطع فهمه إلا عندما فهمتها، وفهمتُ الجغرافيا التي أنتجته، وكان عندي الوقت الكافي ليس لأفهم فحسب، بل لأرمي ذاتي في الحب.
نعم، لم أفهم العود إلا مع سيدة الوقت. لطالما أبهرتني عقلانية البيانو، ونزق الأوتار في البزق، لكنني لم أستطع التماهي مع صوت الحكمة الهامسة، المغرغرة بالدمع، بكبرياء الأنبياء، ورفعة الألم في قلوب العشاق. كل لحن لبسه العود كجنيّ، كل مَسّة وتر تعيدك للخسارة، والتي طوّرها الزمن ليحوّل الخسارة إلى نوستالجيا، والوجع إلى وجد، هناك، حيث الرضا والتسليم.
فلا نزق في أوتار العود، لا استعجال، ولا صبيانية، بل لهفة، وطبطبة، وحنين.
وفين إنت يا نور عيني، يا روح قلبي… فين؟
تحمل أم كلثوم خلاصة العشق، حكمة قادة الحروب النزيهة المثقلين بالجراح، الطاعنين بخناجر الخسارة، الباحثين عن الإيمان وسط حُمّى المشاعر.
هي رسائل نابليونية إلى جوزفين، ملوّثة بوحول البعاد. أغانيها، أغاني سيدة الوقت، تشبه حضن حبيبة قديمة فهمت كل شيء، فأرخت رؤوس الخاسرين في اتساع حناياها، وامتداد سهولها، وثباتها كما الزمن… ثم تركتهم ليخسروا
#عبير داغر اسبر#مجلة ايليت فوتو ارت.


