الجمهور لا يفكر بالمنطق، يفكر بالصور والعواطف

في لحظة ما أنت تمشي في سوبر ماركت ضخم، وترى الجميع يركضون لشراء علبة “كورن فليكس” فارغة، لا يوجد بها طعام، فقط هواء، لكنهم يتصارعون عليها، ويشـ.ـ.ـتمون من لا يشتريها، و ايضاً يتهـ.ـ.ـمونه بالغـ.ـ.ـباء والرجـ.ـ.ـعية!هل ستضحك عليهم؟ انتظر قليلاً.. لأنك غالباً تفعل نفس الشيء كل يوم وأنت تتصفح هاتفك، أو تتابع نشرة الأخبار، أو تتبنى “ترند” لا تعرف مصدره.نحن نعيش في مسرحية عالمية ضخمة، النص فيها مكتوب بعناية فائقة في كتب عمرها مائة عام، والمخرجون يقرأون من “كتالوج” نفسي لا يخطئ. تعالوا نفتح مكتبة “الكتب الممنوعة عقلياً” (ليس لأنها ممـ.ـ.ـنوعة من النشر، لكن لأن قراءتها ستفـ.ـ.ـسد اللعبة على من يتحكمون بك)، لنفهم كيف يتم تحويل شعب كامل إلى “قطـ.ـ.ـيع” سعيد بعـ.ـ.ـبوديته.لا يمكن أن نبدأ إلا بالأب الروحي لهذا العلم، الطبيب الفرنسي “جوستاف لوبون” وكتابه “سيكولوجية الجماهير”.لوبون قال جملة تساوى وزنها ذهباً “بمجرد أن ينخرط الفرد في جمهور، فإنه ينزل عدة درجات في سلم الحضارة”.ماذا يعني هذا ؟الإنسان الفرد (أنت وأنت جالس وحدك) قد يكون عاقلاً، مثقفاً، ومهذباً، لكن بمجرد أن ينضم لـ “جمهور” (سواء في مظاهرة، ملعب كرة، أو حتى جروب فيسبوك)، يحدث له “ذوبان”. عقله الواعي يتوقف، ويسلم القيادة لـ “العقل الجمعي” الغرائزي.في هذه الحالة، الجمهور لا يفكر بالمنطق، يفكر بالصور والعواطف.انظر للتعليقات على أي بوست مثير للجدل (ترند)، ستجد أطباء ومهندسين يشتمون بألفاظ سـ.ـ.ـوقية لا تصدر إلا من غوغاء. لماذا؟ لأنهم في تلك اللحظة ليسوا أفراداً، هم “خلايا” في جسد الوحش المسمى “الجمهور”، والوحش لا عقل له، له أنياب فقط.كيف تبيع الوهم؟ (بروباجندا إدوارد بيرنيز)إذا كان لوبون شرح “المـ.ـ.ـرض”، فإن “إدوارد بيرنيز” (ابن أخت فرويد) هو من صنع “الفـ.ـ.ـيروس”.في كتابه “البروباجندا”، علمنا بيرنيز أن الناس لا يشترون “المنتجات”، يشترون “المشاعر”.هل تعلم كيف جعل النساء يـ.ـ.ـدخن السـ.ـ.ـجائر في أمريكا؟ لم يقل لهن “التبغ لذيذ”، لكن استأجر عارضات أزياء ليـ.ـ.ـدخن في مسيرة وسماها “مشاعل الحرية”.ربط السجائر (المنتج القاتـ.ـ.ـل) بفكرة الحرية والنسوية (القيمة السامية).اليوم، اللجان الإلكترونية والشركات تفعل نفس الشيء:هم لا يبيعون لك “هاتفاً جديداً”، هم يبيعون لك “البرستيج” والانتماء لطبقة الأغنياء.هم لا يروجون “لحـ.ـ.ـرب”، هم يروجون لـ “الدفاع عن الديمقراطية”.هذه الحيلة تسمى “هندسة الإجماع” (Manufacturing Consent) كما شرحها “نعوم تشومسكي”؛ أي أنهم يجعلونك تظن أنك اخترت هذا الرأي بحريتك، بينما هم من زرعوه في رأسك عن طريق تكراره آلاف المرات في المسلسلات والأخبار والإعلانات حتى أصبح “حقيقة” في عقلك الباطن.المـ.ـ.ـعركة بين “أورويل” و”هكسلي”هنا نأتي للسيناريو السينمائي، في الأدب لدينا روايتان تشرحان مستقبلنا:1984 لجورج أورويل: تتخيل مستقبلاً يتم التحكم فيه بالشعوب عن طريق “الألم”، الخوف، الســ.ـ.ـجون، و”الأخ الأكبر” الذي يراقبك، وتغيير التاريخ والحقائق (وزارة الحقيقة).عالم جديد شجاع لألدوس هكسلي: تتخيل مستقبلاً يتم التحكم فيه بالشعوب عن طريق “المتعة”.المفاجأة؟ نحن نعيش في عالم هكسلي أكثر من أورويل!هكسلي قال: “لن نحتاج لسجون، الناس سيعشقون عبوديتهم”.كيف؟ عن طريق “صناعة التافه”، إغراق الناس في طوفان من المعلومات غير المهمة (فيديوهات رقص، أخبار مشاهير، ترندات تافهة)، بحيث لا يجد المواطن وقتاً للتفكير في القضايا الحقيقية (الفـ.ـ.ـساد، الجـ.ـ.ـهل، الحقـ.ـ.ـوق).في فيلم “Idiocracy”، نرى مستقبلاً انخفض فيه ذكاء البشر لدرجة أنهم يسقون الزرع بمشروبات غازية لأن “الإعلانات قالت ذلك”، انظر حولك اليوم.. هل نحن بعيدون جداً عن هذا المشهد؟صناعة الجهل (Agnotology)هناك علم حقيقي يسمى “علم الجهل”، وظيفته ليست محاربة الجهل، بل نشره!كيف تجهل شعباً متعلماً؟ الأمر بسيط “ازرع الشك”.لا تمنع المعلومة (لأن المنع يثير الفضول)، بل أغرق المعلومة بـ 1000 معلومة كـ.ـ.ـاذبة ومتضاربة حتى ييأس المواطن ويقول “أنا لا أعرف الحقيقة، ولا أهتم، سأشاهد المباراة وأنام”.اللجان الإلكترونية التي تحدثت عنها في المقال السابق بالتفصيل وظيفتها الرئيسية هي هذا “التشويش”. عندما ترفع هاشتاجاً يطالب بحق، يرفعون 10 هاشتاجات مضادة تتهمك بالخـ.ـ.ـيانة، أو الكـ.ـ.ـفر، أو الجـ.ـ.ـنون. الهدف ليس إقناعك، الهدف هو جعل “الحقيقة” تضيع وسط الضجيج، فيصاب “القطيع” بالتشتت وينتظر “الراعي” ليقول له أين يذهب.السينما حاولت تحذيرنا مراراً، فيلم The Matrix هو إعادة صياغة لأسطورة “كهف أفلاطون” الفلسفية.معظم الناس (القطيع) مقيدون داخل كهف، يشاهدون ظلالاً على الحائط ويظنون أنها الحقيقة. (الظلال اليوم هي شاشات الموبايل).عندما حاول “نيو” الخروج من المصفوفة، تألمت عيناه لأنه لم يستخدمها من قبل.الحقيقة مؤلمة، التفكير النقدي مرهق، مخالفة القطيع مرعبة وتعرضك للنبذ، لذلك يختار “سايفر” (الشخصية الخائنة في الفيلم) أن يعود للمصفوفة وينسى الحقيقة مقابل أن يأكل “شريحة لحم وهمية” ويستمتع بجهله.الأنظمة الفاسـ.ـ.ـدة وصناع الترند يعرفون نقطة ضعف النفس البشرية “نحن نكـ.ـ.ـره المسؤولية”.الحرية مسؤولية، والوعي شقـ.ـ.ـاء.. لذا يقدمون لنا “الجهل” مغلفاً بورق هدايا لامع، ويسمونه “استقراراً” أو “ترفيه”. كيف تنجو من المقصلة؟يا صديقي، الكتب تقول لك شيئاً واحداً “أطفئ الشاشة وشغّل عقلك”.شكك في كل شيء عندما تجد “إجماعاً” مفاجئاً، اعلم أن هناك من دفع ثمنه، فالناس نادراً ما يتفقون بهذه السرعة.انتبه للغة عندما تجد مصطلحات عاطفية (خـ.ـ.ـونة، أعـ.ـ.ـداء، شـ.ـ.ـرفاء) بدلاً من الأرقام والحقائق، اعلم أن أحدهم يداعب “اللوزة الدماغية” في رأسك ليعطل تفكيرك المنطقي.اقرأ ما خلف السطور لا تسأل “ماذا حدث؟”، اسأل “من المستفيد مما حدث؟”.كن فرداً القوة الحقيقية ليست في الانتماء للقطيع، لكن في القدرة على المشي وحيداً وانت مالك لفكرتك.العالم سوق كبير، فلا تكن أنت “السلعة” المجانية.#سيكولوجية_الجماهير #الوعي_الجمعي #جورج_أورويل #1984 #فلسفة #علم_النفس_الاجتماعي #تفكير_نقدي #نعوم_تشومسكي #TheMatrix #بروباجندا #كشف_الحقائق #لا_تكن_إمعة #ثورة_الوعي #جوستاف_لوبون #علم_الجهل #صناعة_الوعي #كتب_ممنوعة عقليا #diaaalagamy# مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم