خميس البنات وعودة الربيع إلى حمص
في لحظةٍ تبدو عابرة في ظاهرها، عميقة في دلالتها، أعادت الجمعية التاريخية السورية إحياء واحد من أبهى تقاليد الذاكرة الحمصية، حين نظّمت مسيرًا احتفاليًا بمناسبة “خميس البنات” باتجاه قلعة حمص. لم يكن الحدث مجرد نشاط ثقافي، بل بدا وكأنه استدعاء حيّ لذاكرة المدينة، ومحاولة لإعادة وصل ما انقطع بين الماضي والحاضر.يُعد “خميس البنات” من الطقوس الشعبية التي ارتبطت بفصل الربيع، حيث كانت الفتيات يخرجن في جماعات إلى البساتين أو المرتفعات، يحملن معهنّ أناشيد الفرح وبساطة الاحتفال. في هذا الطقس، تتجلى رمزية الحياة المتجددة، حيث يتداخل الجمال الطبيعي مع الحضور الإنساني، في مشهد يعكس توق المجتمع إلى الخصب والبدايات الجديدة. لم يكن الاحتفال رسميًا أو مؤطرًا، بل كان فعلًا عفويًا يعبّر عن روح الجماعة وانسجامها مع إيقاع الطبيعة.اختيار القلعة مقصدًا لهذا المسير يحمل دلالة خاصة؛ فهي ليست مجرد معلم أثري، بل رمزٌ لذاكرة حمص وعلوّها المعنوي. الصعود إليها في سياق احتفالي يعيد إنتاج معنى “الظهور” الجماعي، ويمنح الفعل طابعًا رمزيًا، كأن المدينة تصعد بنفسها نحو الضوء بعد عتمة طويلة. هنا، يصبح المكان شريكًا في الطقس، لا مجرد خلفية له.هذا الإحياء يذكّرنا أيضًا بتقاليد أخرى اندثرت أو تراجعت، مثل “الكرنغالات”، التي حملت طابعًا كرنفاليًا أكثر صخبًا وتنكرًا، لكنها تنتمي إلى الروح ذاتها: روح الفرح الجماعي والانفلات المؤقت من قيود اليومي. وبين “خميس البنات” و“الكرنغالات”، تتكشف صورة حمص كمدينة عرفت كيف تحتفل، وكيف تحوّل الفصول إلى مناسبات إنسانية نابضة.إن إعادة إحياء هذه الطقوس اليوم لا تعني استنساخ الماضي بقدر ما تعني قراءته من جديد. فهي محاولة لترميم الذاكرة الثقافية، وإعادة الاعتبار للبعد الإنساني في حياة المدن. في زمنٍ تتآكل فيه التفاصيل الصغيرة، يصبح لمثل هذه المبادرات دورٌ جوهري في الحفاظ على هوية المكان، لا بوصفها حنينًا، بل باعتبارها طاقة متجددة قادرة على إلهام الحاضر.هكذا، لم يكن “خميس البنات” مجرد مسير نحو القلعة، بل كان مسيرًا نحو الذاكرة، نحو الربيع الكامن في وجدان المدينة، ونحو معنى أعمق للاحتفال بالحياة..# قلب على حمص اطلالات ثقافية متنوعة# مجلة ايليت فوتو ارت..


