التناقض الصارخ بين تقديس الأمومة وتدنيس الأنوثة

تحرير المرأة.. وتحرير الذكورة السجينةما هذا الوهم المريض الذي يحيط بجسد المرأة في شرقنا، فيُحَوِّلُها إلى تابو مُحرَّم، وكأنها خطيئة متجسدة؟ وما هذا التناقض الصارخ بين تقديس الأمومة وتدنيس الأنوثة؟ إنه عقل مذعور من ظله، مجتمعٌ يصرُّ على أن يحبس نصف روحه في قفص من الخوف، ثم يُلقِي باللوم على المحبوسة إن همست طالبةً حرية التنفس.إنها مهزلة تاريخية أن نختزل حضارة بكاملها إلى حراسة شهوانية، أن تُصنع القوانين وتحاك الأخلاق وتقيد الحياة كلها حول فكرة واحدة: أن “الذكر” كائنٌ بدائي لا يملك من إرادته شيئاً، حيوانٌ تتحكم فيه غريزته بالكامل، فيجب إذن تخدير العالم كي لا يثيره! فتتحول المرأة إلى سجن مؤقت لجسدها، وتتحول الشوارع إلى ثكنات عسكرية للعيون، وتتحول الحياة إلى حرب باردة ضد الجمال الطبيعي.أين كرامة الرجل في هذه المعادلة المهينة؟ لقد سلبناه إنسانيته، حوّلناه إلى وعاء للشهوة، إلى كائنٍ لا يملك سوى ردود فعل غريزية. ثم نتوقع منه بناء الحضارات! كيف يُبنى صرح شاهق وأساسه إنسانٌ مقيد بغرائزه، خائف من ظله، مرعوبٌ من جمالٍ طبيعي؟الحل لا يكمن في مزيد من الحجاب – حجاب الأجساد أو حجاب العقول – بل في خلع أقنعة النفاق الكبرى. الحل في تربية إنسان جديد. ذكرٌ لا يُربَّى على أنه حارسٌ للمحرّمات، بل إنسانٌ متكامل. طفلٌ يتعلّم أن الأنوثة ليست تهديداً، وأن الجسد ليس عاراً، وأن الحرية ليست فوضى. تعليمٌ يغرسُ الفضيلة كاختيار، لا كخضوعٍ قسري. تربيةٌ تُعلِّمُ الولد احترام الحدود الشخصية قبل أن تُعلِّمه فرضَ الحدود على الآخرين.لننظر إلى جوهر الإشكال: مجتمع يريد التقدم وهو مربوطٌ بسلاسل الماضي، يريد الطيران وهو يرفض تحرير جناحيه. المرأة هنا ليست الضحية الوحيدة، بل الذكور أيضاً ضحايا لصورة نمطية اختزلت إنسانيتهم إلى غريزة، واختزلت مسئوليتهم إلى رقابة.ما أقسى أن تُحرم المرأة من أبسط حقوقها في التعبير عن ذاتها – حتى لو كان ذلك بمكياجٍ بسيط – بدعوى حماية مجتمعٍ يرفض حماية نفسه من جهله! إنها معادلة مقلوبة: بدلاً من علاج المرض، نقتل المريض. بدلاً من بناء إنسانٍ متزن، نُغطي العالم بستائرٍ سوداء … نحن نستعرض العفة بحيث نرى أن القشور .. اللباس.. المكياج .. العطور.. هي الأساس والمضمون فارغ حيث لايوجد لدينا شخصية الإنسان النبيل المترفع عن الصغائر ..لنقلها بصراحة: المشكلة ليست في عيون النساء، بل في عقلية الرجال. ليست في وجوهٍ تتزين، بل في عقولٍ ترفض أن تنضج. المجتمع الذي يخشى جمال المرأة هو مجتمعٌ مريضٌ بجماله، خائفٌ من قوته، هاربٌ من حريته.الحضارة تبنى بالثقة، لا بالشك. بالإبداع، لا بالقمع. بتعليم الطفل أن جسد أخته ليس ملكيته، وأن حرية أمه ليست تهديداً له، وأن أنوثة زميلته في العمل ليست محركاً لغريزته. الذكورة الحقيقية ليست في السيطرة، بل في التوازن. ليست في الخوف من الإثارة، بل في القدرة على ضبط النفس.فلنبدأ من المهد: طفلٌ يرى أمه إنساناً كاملاً لا خادماً، يرى أباه يحترمها لا يسيطر عليها، يرى جسداً محترماً لا موضوعاً محرماً. فالحضارة تُبنى من الطفولة، أو لا تُبنى أبداً.المرأة ليست مشكلة يجب حلها، بل هي نصف الحل الذي نقتله كل يوم. والرجل ليس حيواناً يجب تكبيله، بل هو النصف الآخر الذي نهمشه حين نقلل من إنسانيته. الحرية لا تُمنح، تُؤخذ. والكرامة لا تُهدى، تُبنى. فمتى نبدأ في بناء إنساننا من جديد …# المثقفون السوريون# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم