التقدم بالعمر ليس عائقا أمام تحقيق الذات والشهرة.

مغمورون اشتهروا في سن متقدمة

عادة ما يقع الممثلون الشباب في فخ “الأدوار النمطية”، أي الشاب الوسيم، الحبيب أو المتمرد، وبالنسبة للإناث الفتاة الجميلة الحبيبة أو المتمردة. وعادة ما يتعامل المخرجون مع هؤلاء باستخدام التوجيه والتلقين، ويعتبرونهم مثل عجينة طرية يتم تشكيلها لتناسب متطلبات السوق وشباك التذاكر.
ولكن الأمر يختلف تماماً عندما يتعلق الأمر بممثلين في سن متقدمة. فهؤلاء يحملون في دواخلهم مستودعاً ضخماً من المشاعر والتجارب الحقيقية، وعادة ما يكونون قد مروا بلحظات انكسار وحزن وفرح وألم وفقد حقيقية قبل أن يقفوا أمام الكاميرا، وهو ما يسهل عليهم استرجاع تلك اللحظات وتجسيدها بقوة وإقناع خاليين من التصنع. ثم إن أمثال هؤلاء يحملون في العادة وجوه أشخاص حقيقيين، مثل أولئك الذين نراهم في الشارع، وتحكي تجاعيدهم قصصاً مألوفة دون أن ينطق اللسان بكلمة واحدة.
من جانب آخر، عادة ما يحمل الممثل الناضج هوية متكاملة، فهو يعرف من هو ولا يحتاج إلى إثبات ذاته قدر بحثه عن نقل تجاربه إلى الشاشة، وهو ما يخلق في العادة علاقة خاصة مع المخرج عندما يريد الأخير “شريكاً فنيّاً” يفهم سيكولوجية النص، وليس مجرد أداة منفذة للتوجيهات الجافة.

لا يتحول كل الممثلين إلى أبطال أفلام يؤدون شخصيات رئيسية فيها بل يبقى عدد كبير منهم في الخطوط الخلفية، منهم من يؤدي أدوارا بسيطة ومنهم من يحقق تقدما يؤهله بالكاد لتأدية أدوار ثانوية.

ولكن هناك حالات تحول فيها ممثل مغمور إلى شخصية رئيسية في سن متقدمة بفضل الصدفة أو المواظبة حتى ترشح بعضهم لجوائز أوسكار أو فازوا بها.
( نماذج )

  • “ريتشارد فارنسورث – Richard Farnsworth”
    هذا الممثل أفضل مثل على ما سبق فقد أمضى أكثر من 30 عاماً في السينما وهو يؤدي أدوار دوبلير أو ممثل بديل، إذ كان يمتطي الخيول ويسقط عنها بدلاً من النجوم الكبار دون أن ينتبه إليه أحد. لم يحصل على أول دور ناطق له إلا وهو في السابعة والخمسين من العمر في فيلم “Comes a Horseman” إنتاج 1978.
    ثم جاءت المفاجأة الكبرى عندما منحه المخرج ديفيد لينش دور البطولة في فيلم “The Straight Story” إنتاج عام 1999، وكان في التاسعة والسبعين من العمر. ما لا يعرفه الكثيرون أن فارنسورث كان يعاني في الحقيقة من مرض السرطان في مراحله الأخيرة خلال التصوير، وكان الألم رفيقه الفعلي ولم يكن بحاجة لملاحظات المخرج لتأدية الدور، فقامت الكاميرا بتوثيق كبرياء الشيخوخة الصادق وهيبتها الطبيعية.
    هذا الدور جعله يترشح للأوسكار كأفضل ممثل رئيسي وكان أكبر المرشحين عمرا في تاريخ الأوسكار.
  • “كريستوف فالتز – Christoph Waltz”

أمضى فالتز عقوداً يؤدي أدواراً ثانوية بسيطة في المسرح والتلفزيون الألماني المحلي وكاد أن يفقد الأمل في العثور على فرصة تلائم تطلعاته. ثم تغير كل شيء عندما اكتشفه المخرج كوينتين تارنتينو ومنحه دور الكولونيل “هانس لاندا” في فيلم “Inglourious Basterds” إنتاج عام 2009 وكان في سن الثالثة والخمسين.
لم يكن نجاح فالتز بفضل ملامحه فقط بل بفضل خزينه اللغوي والثقافي كممثل مسرحي كلاسيكي يجيد عدة لغات فمنح الفيلم عمقاً في إلقاء المونولوجات الطويلة وتفكيك المعاني الضمنية والنكات الثقافية المعقدة ببراعة تعجز عنها الوجوه الشابة، ليتحول إلى نجم عالمي حصد جائزتي أوسكار متتاليتين.

-“برندان غليسون – Brendan Gleeson”

كان معلماً للغة الإنجليزية والدراما في آيرلندا ولم يبدأ التمثيل الاحترافي إلا في سن الرابعة والثلاثين. وقد منحه هذا التأخر خلفية أدبية وإنسانية عميقة فحققت مسيرته شهرة عالمية وهو في الأربعينات، ليتوجها بظهوره في أعمال درامية ونفسية معقدة مثل فيلمي “In Bruges” و “The Banshees of Inisherin”. غليسون أنموذج للممثل الفيلسوف الذي يستند أداؤه إلى فهم عميق لسلوك البشر وتناقضاتهم.

-“كاثي بيتس – Kathy Bates”

قضت سنوات طويلة تمثل في مسارح نيويورك (برودواي)، وكان يُقال لها دائماً إنها لا تملك المظهر المتعارف عليه لنجمات هوليوود. ولكن، بدلاً من الاستسلام، اعتمدت كلياً على التقمص السيكولوجي العنيف، حتى حصلت على دور البطولة في فيلم الرعب النفسي “Misery” إنتاج عام 1990 ونالت عنه جائزة الأوسكار وهي في سن الثانية والأربعين لتثبت بأن قدراتها في الأداء طغت على مقاييس هوليوود الجمالية العابرة.

مثل هذه الحالات ليست كبيرة العدد ولكنها تحدث ويكون الدافع وراءها هو بحث المخرج عن نوع من الحضور لا يصنعه الماكياج أو التدريب بل هو حضور نابع من عمق الشخصية التي يحملها الممثل والتي تتميز بشكل عام بضعف الأنا وعدم القلق مما يمكن أن يراه المُشاهد وقلة الاهتمام بردة فعل الجمهور إضافة إلى أن الأمر يتعلق أيضا باغتنام فرصة قد لا تتكرر.

لم لا في نهاية الأمر.

#سبنما العالم#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم