الوعي البصري العربي تحت المجهر
القسم الأول: التشخيص
عندما يتحول تعليم التصوير إلى تضليل
الخلط بين المفاهيم جريمة تربوية
تنطلق هذه المقالة من مسؤوليتنا تجاه تعزيز الوعي البصري وترسيخ النظريات الفنية الصحيحة.
في عصر السيولة المعرفية الذي نعيشه، أصبح المحتوى التعليمي متاحاً بنقرة زر. ولكن، خلف بريق الفيديوهات القصيرة والعناوين الرنانة، تختبئ كارثة معرفية تهدد جيل المصورين الجدد.
إن ما نشهده اليوم من خلطٍ فاضح بين المفاهيم الأساسية للتصوير الفوتوغرافي ليس مجرد خطأ عابر، بل هو تضليل ممنهج وجريمة تربوية تُرتكب في حق هذا الفن، سواء كان الدافع وراءها جهل المُلقّن أو رغبته في حصد المشاهدات على حساب الحقيقة العلمية والجمالية.
١. فخ السطحية: عندما يصبح “التكنيك” بديلاً عن الرؤية
إن أولى خطايا الجهات التعليمية المضللة هي اختزال التصوير في إعدادات الكاميرا.
فعندما يتم تعليم المبتدئ أن “مثلث التعريض” هو غاية التصوير وليس وسيلته، فنحن هنا أمام تضليل مفاهيمي. التصوير في جوهره هو فيزياء الضوء وفلسفة التكوين. الخلط بين التعريض الصحيح تقنياً والتعريض المناسب فنياً يقتل الإبداع في مهدِه، ويحول المصور إلى آلة تنفذ أرقاماً دون إدراك للمعنى البصري.
٢. خلط المفاهيم: قواعد أم أدوات؟
من أكبر الجرائم التربوية في مناهج التصوير الضعيفة هي تقديم قواعد التكوين (مثل قاعدة الأثلاث) كقوانين مقدسة لا تقبل الجدل. في النظرية البصرية، هذه ليست قوانين، بل هي أدوات لتوجيه عين المشاهد تعتمد على سيكولوجية الإدراك.
عندما يخلط المعلم بين التوازن والتماثل، أو بين العمق الميداني وعزل الخلفية دون شرح الأبعاد الفيزيائية والدرامية لكل منهما، فإنه يبني للمتعلم هيكلاً معرفياً هشاً سينهار عند أول محاولة لإنتاج عمل فني ذي قيمة.
٣. التضليل في عصر المعالجة الرقمية
تمتد الجريمة لتشمل الخلط بين “التظهير الرقمي” (Post-processing) و”التلاعب بالصور” (Manipulation). إن إيهام المتعلم بأن برامج التعديل هي عصا سحرية لإصلاح الفشل في فهم الضوء أثناء التصوير هو تضليل تقني وأخلاقي.
المؤسسة التعليمية الحقيقية هي التي تؤصل لمفهوم أن المعالجة هي امتداد للرؤية البصرية، وليست قناعاً لإخفاء الجهل بأساسيات التكوين والإضاءة.
٤. المسؤولية الأخلاقية: الجهل ليس عذراً
إن الجهة التي تتصدى للتعليم تقع عليها مسؤولية الأمانة العلمية. إن تقديم محتوى يخلط بين “المنظور” (Perspective) و”البعد البؤري” (Focal Length) – وهو خطأ شائع – يؤدي إلى تشويه فهم المصور لكيفية رؤية الكاميرا للعالم.
هذا الخلط ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو خطأ في الحقائق الفيزيائية والبصرية. وعندما يصدر هذا عن جهة تدعي الاحترافية، فإن الجهل هنا يتحول إلى سوء نية يهدف إلى استغلال شغف المبتدئين لتحقيق مكاسب سريعة.
٥. أثر التضليل على الهوية البصرية
النتيجة الحتمية لهذا التضليل التربوي هي إنتاج مصورين مستنسخين يطبقون قوالب جاهزة دون وعي نظري. يغيب عنهم فهم السيميائية (علم العلامات) في الصورة، ويفشلون في قراءة التاريخ البصري، لأنهم لم يتلقوا تعليماً يؤصل للفرق بين “اللقطة الجميلة” و”الصورة المؤثرة”.
ما سبق ليس تنظيراً مجرداً، بل توصيف لما نراه يومياً
دعونا نخرج من الصورة المعدلة قليلاً، وننظر إلى المشهد بصيغته الخام كما هو قبل المعالجة:
توثيق لمشهد يتكرر يومياً في الساحات الفوتوغرافية العربية، مشهد يمر أمامنا كأنه أمر عادي، لكنه في الحقيقة كارثة تربوية تبتلع وعي الأجيال الجديدة.
سأصف ما أراه، بدون أسماء، بدون تشهير، ولكن بوضوح لا يحتمل التأويل. لأن الغموض في التشخيص هو بداية استمرار المرض.
أولاً: صورة تتحدث.. فتكذب
صورة لعدسة وكاميرا، تحتها نص طويل عن “سر الإضاءة” وعظمة الفلاش و”الناشر الذكي”.
المشكلة الوحيدة: الصورة لا توضح شيئاً.
إضاءة مسطحة، تفاصيل مختفية، ظلال قاسية، لا عمق ولا جمال ولا احترافية. إنها صورة تفضح كاتبها، لكنه لا يدري، لأنه معتاد على أن يرى بعين المتابعين لا بعين النقاد.
يُقدَّم على أنه بصيرة، بينما الصورة نفسها تكشف محدوديته.
ثانياً: سلطة المفاهيم.. عندما تختلط الأوراق
منشور يتحدث عن “أنواع الإضاءة”، فيضع في سلة واحدة:
- توقيتات ضوئية (الساعة الذهبية)
- مصادر ضوئية (نيون، صوديوم)
- اتجاهات إضاءة (خلفية، جانبية)
- أساليب تصوير (رامبرانت، سيلويت)
النتيجة: حساء بصري يظن المبتدئ أنه تعلم، وهو في الحقيقة يبني في ذهنه هيكلاً معرفياً مشوهاً، سيصعب تصحيحه كلما تقدم خطوة.
هذا ليس تبسيطاً. هذا تجهيل يرتدي ثوب التعليم.
ثالثاً: مخططات لا تفهم الضوء
منشور يقدم “مخطط الإضاءة الاحترافي”، برسوم بيانية وأسهم وزوايا، وكأن الضوء آلة يمكن برمجتها بزاوية ٤٥° ثابتة.
يغفل الناشر أن:
- الضوء ليس زوايا فقط، بل جودة وشدة ولون
- كل وجه يختلف عن الآخر
- كل مشهد له خصوصيته
- القاعدة الوحيدة هي أن لا قاعدة مطلقة
لكن من يقرأ المنشور، سيخرج بثقة أنه تعلم “الإضاءة الاحترافية” في ٣ دقائق. وهذه هي الكارثة.
رابعاً: الغطاء الأجنبي.. هالة الاحترام الزائف
مجموعات تحمل أسماء غير عربية، مسؤولوها لا يميزون بين الإضاءة الخلفية على الموضوع والإضاءة المنعكسة من الخلفية، ومع ذلك يثق بهم الآلاف.
لماذا؟ لأن الاسم الأجنبي يمنح هالة من الاحترام الزائف. القارئ العربي يظن أن المحتوى “أجنبي” إذن هو “أكيد صحيح”.
وهذا هو أخطر أنواع التضليل: التضليل المقنّع بلغة الآخرين.
خامساً: الصمت القاتل.. الجريمة الصامتة
الأخطر من كل ما سبق، هو الصمت.
منشورات خاطئة تحصد 700-800 تفاعل، ولا تعليق نقدي واحد! ليس لأن الجميع مخطئون، بل لأن ثقافة “النقد البناء” ماتت، وحل محلها:
- المجاملات الزائفة
- الخوف من الإزعاج
- اللامبالاة بمستقبل الآخرين
الصمت هنا ليس سلاماً. الصمت هنا تواطؤ.
لكن السؤال الأقسى يبقى: أين المحترفون؟
أين أصحاب الخبرة الطويلة؟ أين الذين يميزون الخطأ من الصواب؟ أين من يستطيعون بكلمة واحدة أن ينيروا طريق مبتدئ؟
للأسف إنهم هناك. في نفس المجموعات. يرون الأخطاء بأعينهم، ثم يمرون مرور الكرام.
بعضهم يبرر: “ما لنا وللدنيا؟”
وبعضهم يخاف: “إذا تكلمت، سأكسب أعداءً”.
لكن هل تعلم يا أيها المحترف الصامت؟
صمتك هذا ليس حياداً. صمتك هذا تأييد ضمني لكل خطأ يُنشر. صمتك هذا رسالة للمبتدئ أن “كل شيء صحيح”. صمتك هذا جريمة في حق من يبحث عن الحق.
لقد لعن الله سبحانه وتعالى في كتابه قوماً لم يفعلوا المنكر، ولكنهم سكتوا عنه:
((لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ. كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)) [المائدة: ٧٨-٧٩]
الآية لا تذم من فعل المنكر فقط، بل تذم من رآه وسكت.
الخاتمة: دعوة للمراجعة
نحن نؤمن بأن تعليم التصوير هو عملية بناء وعي قبل أن يكون نقل مهارة. وأي جهة تخلط بين المفاهيم الأساسية هي جهة تساهم في تسطيح الفكر البصري.
رسالتنا للمتعلم: كن ناقداً لما تستهلك، ابحث عن المصادر التي تشرح لك “لماذا” وليس فقط “كيف”.
رسالتنا للمتصدرين للمشهد التعليمي: إن لم تكن تملك العمق المعرفي للتفريق بين المصطلحات والنظريات، فتعلّم أولاً قبل أن تُعلّم. فصمتك حتى تتعلم أكرم للفن من تضليلك للمتعلمين. التصوير أمانة، والخلط بين مفاهيمه جريمة لا تغتفر.
رسالتنا إلى المحترفين من المصورين: كلمة واحدة منك قد تغير مسار مبتدئ. تصحيح واحد قد ينقذ جيلاً. نقد بناء قد يردم هوة بين المعرفة والجهل. لا تترك الساحة للجهلاء. لا تجعل صمتك كمن يرى المنكر ويسكت.
العين العربية تستحق وعياً لا وهمًا.
انتظروني في القسم الثاني
(التفكيك) فوضى سلطة المفاهيم
يحيى مساد
@followers


