تقرير/نجده محمد رضا
في أعماق البحار والمحيطات، بعيدًا عن صخب اليابسة وضجيج المدن، يعيش عالم دقيق لا يُرى بالعين المجردة، لكنه يؤدي دورًا مصيريًا في استمرار الحياة على كوكب الأرض.
إنه عالم البلانكتون، الكائنات المجهرية التي تُعدّ حجر الأساس في السلسلة الغذائية البحرية، وأحد أهم مصادر إنتاج الأكسجين في الغلاف الجوي.
ما هو البلانكتون؟
البلانكتون (Plankton) كلمة يونانية تعني “الكائنات الهائمة”، وهي تشير إلى مجموعة متنوعة من الكائنات الحية التي تعيش في المياه العذبة والمالحة، وتنجرف مع التيارات البحرية دون قدرة حقيقية على السباحة عكسها.
وينقسم البلانكتون إلى نوعين رئيسيين
1. البلانكتون النباتي
(Phytoplankton)
كائنات دقيقة تقوم بعملية البناء الضوئي، مستفيدة من ضوء الشمس وثاني أكسيد الكربون لإنتاج الغذاء والأكسجين، تمامًا مثل النباتات على اليابسة.
2. البلانكتون الحيواني
(Zooplankton)
كائنات دقيقة تتغذى على البلانكتون النباتي أو على بعضها البعض، وتشكل حلقة وصل أساسية في الشبكة الغذائية البحرية.
الصورة المرفقة تُظهر نوعًا من البلانكتون الحيواني، غالبًا من القشريات المجهرية مثل مجدافيات الأرجل (Copepods)، التي تُعدّ من أكثر الكائنات انتشارًا في محيطات العالم.
البلانكتون وإنتاج الأكسجين
قد يعتقد كثيرون أن الغابات الاستوائية هي المصدر الأول للأكسجين على كوكب الأرض، إلا أن الحقيقة العلمية تشير إلى أن المحيطات تنتج ما بين 50% إلى 70% من الأكسجين العالمي، ويعود الفضل في ذلك إلى البلانكتون النباتي.
كيف يحدث ذلك؟
يقوم البلانكتون النباتي بعملية البناء الضوئي وفق المعادلة المعروفة
ثاني أكسيد الكربون + ماء + ضوء الشمس → جلوكوز + أكسجين
وبفضل الانتشار الواسع للبلانكتون في المسطحات المائية التي تغطي أكثر من 70% من سطح الأرض، فإن تأثيره التراكمي في إنتاج الأكسجين يفوق تأثير الغابات مجتمعة.
دور البلانكتون في التوازن البيئي
لا يقتصر دور البلانكتون على إنتاج الأكسجين فحسب بل يمتد ليشمل عدة وظائف حيوية
1. امتصاص ثاني أكسيد الكربون
يمتص البلانكتون النباتي كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما يساهم في تقليل تأثير الاحتباس الحراري.
2. أساس السلسلة الغذائية البحرية
يشكل البلانكتون الغذاء الأولي للأسماك الصغيرة، التي تتغذى عليها الأسماك الأكبر، ثم الحيتان والطيور البحرية. أي خلل في أعداد البلانكتون ينعكس مباشرة على الثروة السمكية العالمية.
3. دعم التنوع البيولوجي
من خلال كونه قاعدة الهرم الغذائي، يضمن البلانكتون استمرارية ملايين الأنواع البحرية.
تهديدات تواجه البلانكتون
رغم أهميته البالغة، يواجه البلانكتون تحديات خطيرة نتيجة:
التغير المناخي وارتفاع حرارة المياه.
تزايد حموضة المحيطات بسبب امتصاص ثاني أكسيد الكربون.
التلوث البلاستيكي والكيماوي.
تسربات النفط.
وقد أظهرت دراسات علمية أن بعض مناطق العالم شهدت تراجعًا ملحوظًا في كثافة البلانكتون خلال العقود الأخيرة، مما يثير مخاوف بشأن مستقبل إنتاج الأكسجين البحري والتوازن المناخي.
لماذا يجب أن نهتم؟
لأن كل نفس نتنفسه قد يكون مصدره كائن مجهري يطفو في أعماق البحر. البلانكتون ليس مجرد كائنات دقيقة غير مرئية، بل هو شريان حياة للكوكب، وصمام أمان للغلاف الجوي.
إن حماية المحيطات من التلوث، وتقليل الانبعاثات الكربونية، ودعم السياسات البيئية العالمية، ليست قضايا بيئية فحسب بل ضرورة وجودية لضمان استمرار دورة الأكسجين والحياة ذاتها.
في عالم يزداد فيه الحديث عن الغابات والتشجير يبقى البحر هو الرئة الكبرى للأرض ويظل البلانكتون هو الجندي المجهول الذي يعمل بصمت في أعماق الماء ليمنح البشرية حقها الطبيعي في التنفس.
إن إدراك قيمته هو الخطوة الأولى نحو حمايته، وحماية أنفسنا معه.
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت


