هل لكل عنصر كيميائي هوية لا يمكن أن تتكرر؟نعم، فلكل عنصر بصمة فريدة تكشف عنه كما تكشف بصمة الإصبع عن صاحبها. الظاهرة التي نراها في الصورة تُعد من أكثر الظواهر الفيزيائية إثارة، وهي تعكس العلاقة العميقة بين العناصر الكيميائية والحرارة، وتُعرف في المختبرات باسم تجربة اللهب أو الألوان النارية.عند تعريض بعض المواد للحرارة، لا تحترق فحسب، بل تُضيء بألوان مميزة، وكأن كل عنصر يعلن عن نفسه بلغة الضوء. تفسير هذه الظاهرة يعود إلى فيزياء الذرة وسلوك إلكتروناتها. فالحرارة تمنح الإلكترونات طاقة إضافية، فتغادر مواقعها المستقرة داخل الذرة وتنتقل إلى حالات طاقية أعلى. لكن هذا الوضع لا يدوم، إذ تعود الإلكترونات سريعًا إلى حالتها الأصلية، وخلال هذه العودة تُطلق طاقة على شكل ضوء، يختلف لونه من عنصر إلى آخر.السبب الحقيقي وراء هذا الاختلاف يكمن في نواة الذرة نفسها، وتحديدًا في عدد البروتونات. فعدد البروتونات هو ما يحدد هوية العنصر، وهو العامل الأساسي الذي يتحكم في توزيع مستويات الطاقة للإلكترونات. بما أن البروتونات موجبة الشحنة والإلكترونات سالبة، فإن قوة التجاذب بينهما تلعب الدور المحوري في تحديد طاقة الإلكترونات واستقرارها.كلما ازداد عدد البروتونات في النواة، ازدادت قوة الجذب نحو الإلكترونات، خاصة تلك القريبة من النواة، فتصبح أكثر استقرارًا وأقل طاقة. أما الإلكترونات البعيدة فتكون أقل ارتباطًا بالنواة، وأكثر قابلية للانتقال بين المستويات الطاقية. هذا الاختلاف يغيّر شكل “سُلَّم الطاقة” داخل الذرة، فيجعل مستوياتها أكثر تعقيدًا كلما كان العنصر أثقل.في العناصر الخفيفة، مثل الهيدروجين أو الهيليوم، تكون البنية الطاقية بسيطة نسبيًا، لأن قوة الجذب ضعيفة وعدد الإلكترونات قليل. أما في العناصر الأثقل، فتتشابك المستويات الطاقية وتتعدد، مما يسمح بانتقالات إلكترونية مختلفة وأكثر تنوعًا.وعندما تحدث هذه الانتقالات، تنبعث فوتونات تحمل طاقة تعتمد على الفرق بين المستويين الطاقيين. في العناصر ذات العدد الذري الكبير، تكون هذه الفروق أكبر، فتنتج فوتونات عالية الطاقة ذات أطوال موجية قصيرة، قد تصل إلى نطاق الأشعة فوق البنفسجية أو حتى السينية. في المقابل، العناصر الخفيفة تُصدر فوتونات أقل طاقة، بأطوال موجية أطول تقع غالبًا في نطاق الضوء المرئي.وهكذا يصبح الضوء الصادر من الذرة بمثابة توقيع خاص بها. ومن خلال تحليل هذا التوقيع الضوئي، يستطيع الكيميائي أو الفيزيائي التعرف بدقة على نوع العنصر الموجود، وحتى الكشف عن مكونات المركبات المعقدة. إنها لغة صامتة، لكنها دقيقة، تكتبها الذرات بالضوء.# موسوعة العلوم# اقرا# مجلة ايليت فوتو ارت


