الاطفال والمجانين والسكارى يقولون الصدق في غالب الوقت

“إن الصدق يخرج من أفواه الأطفال والسكارى” – أفلاطون كيف يمكن الوصول إلى حقيقة الأشياء في مجتمع يتأسس بأكمله على شبكة معقدة من التملق والمجاملات والأقنعة الاجتماعية؟ تطرح هذه المعضلة تحديا معرفيا واجتماعيا، إذ ينمو العقل البشري ويكتسب مهارات “تشفير” الرسائل وتغليف الدوافع الحقيقية. ولبلوغ الصدق الخام الذي لم تمسه مهارات البقاء الاجتماعي، تُستدعى مقولة “إن الصدق يخرج من أفواه الأطفال والسكارى” عند أفلاطون.تقوم هذه الأطروحة على تفكيك الحواجز العصبية والاجتماعية التي تعيق تدفق الحقيقة. يرى أفلاطون أن صراحة الحكماء والعقلاء لا تستحق ثقة مطلقة، لأن عقولهم اليقظة تُخضع كل كلمة للرقابة، وتقيس العواقب، وتزن المصالح قبل النطق. فقد يعمل العقل هنا أداة لتعديل الكلام بما يناسب المصلحة. أما الطفل فيفتقر إلى التراكم المعرفي بـ”بروتوكولات” المجتمع، ولا يعرف النفاق ولا حساب الخسائر. والسكير يمتلك تلك المعرفة لكنه عطل جهاز الرقابة العقلية بالخمر، فتذوب قشرة التمدن الرقيقة وتنطلق الحقيقة بلا مواربة.تنزع هذه المقاربة هالة التقديس عن الحكمة والتعقل، وتكشف وجههما العملي. فالتعقل في البيئة الاجتماعية كثيرا ما يقترن بالقدرة على الكذب المهذب والمناورة، بينما تقترن الحقيقة بـ”الحماقة” أو بغياب الأهلية الرقابية.تظل هذه المقولة شهادة على طبيعة الاجتماع البشري، إذ تفترض أن الإنسان الممتلك لكامل قواه العقلية يصعب عليه نطق الصدق المطلق. والحقيقة، بحسب هذه الرؤية، مادة متفجرة لا يجرؤ على الإمساك بها وتمريرها للعلن سوى من لم تلوثهم حسابات الحكمة، أو من أطفأوا وعيهم طواعية ليبوحوا بما يخشى العقلاء مجرد التفكير فيه.[أفلاطون، المأدبة، ترجمة أديب نصور، دار التنوير، 2007]#فلسفة_الصدق#أفلاطون#نقد_التعقل#مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم