تبدو قصة الإسكندر الأكبر كأنها تقف على الحد الفاصل بين التاريخ والأسطورة، حتى يصعب أحيانا فصل ما وقع بالفعل عمّا صنعه الخيال حوله. فقد وصلنا عنه إرث تداخلت فيه إنجازات الغازي الحقيقي مع هالة من الحكايات والمبالغات.
منذ ولادته عام 356 قبل الميلاد في بيلا المقدونية، عاش الإسكندر محاطا بهالة أسطورية مهيبة، حيث ربط والده نسبه بالبطل هرقل وأرجعت والدته أصله إلى المحارب آخيل . تشرب الإسكندر الحكمة من معلمه أرسطو، وحافظ على قراءة ملحمة الإلياذة بانتظام ليستمد منها الإلهام ويكون الوريث الشرعي لأمجاد آخيل . تجلى هذا الشغف في زياراته المتكررة لقبور العظماء، واقفا إجلالا أمام ما كان يعتقد أنه قبر آخيل في الغرب وقبر قورش الكبير في الشرق .
صعد الإسكندر إلى العرش عام 336 قبل الميلاد، وبدأ رحلته بتوحيد بلاد اليونان قبل الانطلاق في توسع سريع أذهل العالم ضد الإمبراطورية الفارسية . توغل في هياكل السلطة بطريقة ذكية ومتكيفة، وحظي باستقبال حافل كبطل ومحرر عند دخوله مصر . توج رحلته المصرية بزيارة واحة سيوة، حيث أعلنه كهنة معبد آمون فرعونا وابنا للإله، ليكتسب شرعية مقدسة جعلته يرى إمبراطوريته واسعة الآفاق وممتدة الأطراف .
واصل الإسكندر زحفه شرقا نحو الهند ليواجه الملك بورس وفيلته الحربية في معارك طاحنة سعى من خلالها لدمج الشرق بالغرب، متخذا من مدينة سوزا مقرا لزواجه من الأميرة الفارسية ستاتيرا ابنة داريوس، لتوحيد الدماء الملكية . شجع رجاله على تبني العادات الشرقية لتأسيس ثقافة عالمية موحدة ونسيج بشري متجانس يجمع أطراف العالم المعروف .
عاد الإسكندر إلى بابل لتبدأ فصوله الأخيرة، حيث استرخت قواه تدريجيا إثر حمى شديدة ألمت به. وتوفي في الثالث عشر من يونيو عام 323 قبل الميلاد في بابل، وفقا لليوميات الملكية الدقيقة التي سجلت أيامه خطوة بخطوة . غادر الحياة بهدوء، تاركا إمبراطوريته الشاسعة بين أيدي قادته العسكريين الذين تنافسوا على جثمانه المحنط كرمز للسلطة والشرعية . نجح بطليموس في نقل الجثمان إلى مصر ليؤسس سلالته هناك، وتحول القبر إلى مزار للأباطرة المتعاقبين الباحثين عن إلهام حلم الإمبراطورية العالمية .
#حقبة تاريخ#مجلة ايليت فوتو ارت.


