7 أسباب وراء الشعور بالدوار أو الدوخة عند الوقوف بشكل مفاجئيُعدّ الشعور بالدوار أو الدوخة عند الوقوف بشكل مفاجئ من الأعراض السريرية الشائعة التي تتقاطع فيها عدة أجهزة حيوية في الجسم، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد أو تفسيرها بوصفها حالة عابرة دائمًا. هذا العرض، الذي قد يبدو بسيطًا في ظاهره، هو في حقيقته انعكاس دقيق لتوازن معقّد بين الجهاز العصبي، والدورة الدموية، ووظائف القلب، والأذن الداخلية، والغدد الصماء، والتركيب النفسي-العصبي للإنسان. ومن هنا تبرز أهمية تناوله كنص تحليلي طبي متكامل، لا كقائمة أسباب منفصلة، بل كمنظومة فسيولوجية واحدة إذا اختلّ أحد أجزائها ظهر العرض.عند الانتقال المفاجئ من وضعية الاستلقاء أو الجلوس إلى الوقوف، يواجه الجسم تحديًا فوريًا يتمثل في إعادة توزيع الدم ضد الجاذبية الأرضية. في الحالة الطبيعية، يتدخل الجهاز العصبي اللاإرادي خلال أجزاء من الثانية، فيقبض الأوعية الدموية الطرفية ويرفع معدل ضربات القلب، محافظًا بذلك على ضغط الدم الدماغي وتروية الخلايا العصبية. لكن حين يفشل هذا التعويض، أو يتباطأ، يظهر أول أسباب الدوخة وأكثرها شيوعًا، وهو هبوط الضغط الانتصابي. هذا الهبوط ليس مرضًا مستقلًا بقدر ما هو تعبير عن خلل في التكيف العصبي الوعائي، ويشيع لدى كبار السن، ومرضى السكري بسبب اعتلال الأعصاب اللاإرادية، ولدى من يتناولون أدوية خافضة للضغط أو مدرّات البول، وكذلك في حالات الجفاف ونقص حجم الدم. النتيجة النهائية واحدة: نقص مؤقت في تروية الدماغ، يشعر معه الإنسان بخفة الرأس، سواد أمام العين، وربما فقدان توازن أو إغماء عابر.أما السبب الثاني، فيتعلق مباشرة بقدرة الدم على حمل الأوكسجين، أي فقر الدم. فالدماغ عضو شديد الحساسية لنقص الأوكسجين، وأي انخفاض في تركيز الهيموغلوبين يقلل من كفاءة الإمداد الدماغي، خاصة عند الوقوف حيث تزداد الحاجة للتعويض الدوراني. في هذه الحالات، لا تكون الدوخة معزولة، بل تترافق غالبًا مع تعب مزمن، شحوب، خفقان، وضيق نفس عند الجهد. ويزداد هذا النوع من الدوخة وضوحًا لدى النساء، ومرضى النزف المزمن، وسوء التغذية، والأمراض الالتهابية طويلة الأمد.السبب الثالث ينتمي إلى عالم التوازن الدقيق، أي اضطرابات الأذن الداخلية والجهاز الدهليزي. فالأذن الداخلية ليست جهاز سمع فقط، بل هي البوصلة الحيوية للجسم في الفراغ. أي خلل في الإشارات القادمة منها إلى الدماغ قد يؤدي إلى إحساس بالدوران أو فقدان الاتزان، خاصة عند تغيير الوضعية. من أشهر هذه الحالات دوار الوضعة الانتيابي الحميد، حيث تتحرك بلورات دقيقة داخل القنوات الهلالية، فتُربك الدماغ بإشارات خاطئة عن الحركة. هنا يكون الدوار أقرب إلى الإحساس بالدوران الحقيقي، وغالبًا ما يترافق مع غثيان أو رغبة بالإقياء، دون أن يكون هناك هبوط ضغط فعلي.أما القلب، بوصفه المضخة المركزية للجسم، فيمثل السبب الرابع حين يختل إيقاعه. اضطرابات نظم القلب، سواء كانت تسارعًا شديدًا أو بطئًا ملحوظًا، تؤدي إلى انخفاض النتاج القلبي، وبالتالي إلى نقص تروية الدماغ عند الوقوف. في هذه الحالات، تكون الدوخة إنذارًا مبكرًا، وقد تترافق مع خفقان، ألم صدري، أو إغماء، ما يجعلها حالة لا يجوز إهمالها سريريًا، خصوصًا لدى مرضى القلب وكبار السن.السبب الخامس يتجلى في نقص سكر الدم، وهو سبب غالبًا ما يُغفل، رغم أن الدماغ يعتمد اعتمادًا شبه كامل على الغلوكوز كمصدر للطاقة. عند الوقوف، يزداد استهلاك الدماغ للطاقة للحفاظ على التوازن والتكيف العصبي، فإذا كان مستوى السكر منخفضًا، ظهرت الدوخة مصحوبة بتعرق، رجفان، تشتت ذهني، وقد تصل إلى فقدان الوعي. ويشيع هذا لدى مرضى السكري، أو من يصومون فترات طويلة، أو من يتبعون أنظمة غذائية غير متوازنة.السبب السادس يرتبط مباشرة بحجم السوائل داخل الجسم، أي الجفاف واضطراب الشوارد. نقص السوائل يؤدي إلى انخفاض حجم الدم، ومعه يصبح الجهاز الدوراني عاجزًا عن التعويض السريع عند الوقوف. كما أن اضطراب الصوديوم أو البوتاسيوم يؤثر على النقل العصبي وانقباض العضلات، بما فيها عضلة القلب، ما يفاقم الشعور بالدوخة وعدم الثبات. هذا السبب شائع في حالات الإسهال، الإقياء، التعرق الشديد، أو الإفراط في استخدام المدرات.أما السبب السابع، والأكثر تعقيدًا من الناحية التشخيصية، فهو القلق واضطرابات الجهاز العصبي الذاتي. ففي حالات التوتر المزمن أو نوبات الهلع، يحدث فرط تنبيه للجهاز العصبي الودي، يؤدي إلى تسارع القلب، فرط التهوية، وتغيرات في ضغط الدم، ينتج عنها شعور بالدوخة دون وجود خلل عضوي واضح. هذا النوع من الدوخة غالبًا ما يكون مزمناً، متقلبًا، ويزداد في الأماكن المفتوحة أو المواقف الضاغطة، ما يجعله تحديًا تشخيصيًا يتطلب استبعاد الأسباب العضوية أولًا.في المحصلة، فإن الدوخة عند الوقوف المفاجئ ليست عرضًا بسيطًا ولا حالة عشوائية، بل لغة جسدية دقيقة يعبّر بها الجسم عن خلل في أحد أنظمة التوازن الحيوي. والتعامل معها طبيًا يتطلب نظرة تكاملية لا تفصل بين القلب والدماغ، ولا بين الجسد والنفس، ولا بين الفيزيولوجيا والسياق الحياتي للمريض. الفهم العميق لهذا العرض هو الخطوة الأولى نحو تشخيص دقيق، وعلاج فعّال، وتجنّب مخاطر قد تكون كامنة خلف دوخة عابرة في ظاهرها، عميقة في دلالتها
ـمجلة العلوم الصحية
ـمجلة ايليت فوتو ارت.


