الابداع الفني يحتاج الى مخيلة متقدة لتجعل ابسط الاشياء ملفتة وذات معنى.

حين يتحول الكرسي إلى ذاكرة
لا يحتاج العمل الفني إلى كثرة العناصر كي يفتح فضاءً واسعًا للتأويل. في عمل الفنان أمير الخطيب، يتجاور كرسي هزّاز خشبي مع بالون أبيض في تكوين شديد الاقتصاد، لكنه يقوم على مفارقة بصرية واضحة بين ثقل المادة وخفة الهواء، وبين ما تصنعه اليد وما يبقى رهينًا بلحظته.

من النظرة الأولى، يستوقفنا الكرسي بوصفه مركز العمل ومرتكزه البصري. إنه قطعة مألوفة تستحضر ذاكرة البيت، بما تحمله من الراحة والانتظار والحكايات العائلية. غير أن وضع البالون في موضع الجالس يغيّر وظيفته المألوفة؛ فلا يعود مجرد قطعة أثاث، بل يتحول إلى حامل لذاكرة أو أثر إنساني غير محدد الملامح.

تتأسس قوة العمل على التباين بين المادتين. فالخشب صلب، قابل للتشكيل والصقل، ويحمل أثر الحرفة واليد، بينما البالون جسم خفيف قائم على الهواء، تبدو استمراريته مؤقتة بطبيعتها. ومن خلال هذا التضاد، يضع الفنان أمامنا مستويين مختلفين من الزمن: مادة يمكن أن تحتفظ بأثرها طويلًا، وعنصر هش لا يضمن بقاءه إلا لحظة.

ويكتسب اللون الأبيض للبالون أهمية خاصة داخل التكوين. فهو لا يفرض معنى واحدًا، بل يترك المجال لقراءات متعددة؛ قد يوحي بالصفاء أو البراءة، وقد يبدو كهيئة رأس إنساني منزوع الملامح والهوية. وهذا التجريد من التفاصيل لا يقلل من حضوره، بل يجعله أكثر انفتاحًا على ذاكرة المتلقي وتجربته.

أما الكرسي الهزّاز، فلا يضيف عنصرًا وظيفيًا فحسب، بل يستحضر الحركة والزمن. فشكله يوحي بحركة يمكن أن تستمر حتى بعد توقف الجالس، ليصبح الكرسي حاملًا لفكرة الانتظار واستمرار الأثر. هنا تتحول الحركة المتخيلة إلى جزء من بناء العمل، وتصبح العلاقة بين الأشياء أكثر أهمية من وظيفتها اليومية.

وتبرز الصنعة اليدوية في تفاصيل الخشب وألوانه بوصفها عنصرًا جماليًا ودلاليًا في آن. فالكرسي لا يعمل كقاعدة للبالون فقط، بل يمتلك حضورًا ماديًا يوازن هشاشة العنصر الآخر. ومن خلال هذا الحوار بين الحرفة والهواء، يربط الفنان بين فعل الإنسان في تشكيل المادة وبين الزمن الذي لا يمكن تثبيته.

كما يمنح الحجم الصغير للعمل طابعًا حميميًا، ويقربه من الأشياء التي نحتفظ بها لأنها تختزن قصة أو ذكرى. وهكذا يتحول الكرسي من عنصر وظيفي إلى أثر بصري مكثف، بينما يمنح البالون المشهد درجة من الغموض تدفع المتلقي إلى المشاركة في بناء معناه.

ينجح أمير الخطيب في بناء عمل مفاهيمي يقوم على أقل عدد ممكن من العناصر، لكنه يترك أثرًا يتجاوز حضورها المادي. فالكرسي والبالون يفتحان تأملًا في الزمن والذاكرة والهشاشة، وفي قدرة الأشياء اليومية على الاحتفاظ بمعانٍ تتجاوز وظيفتها. وتأتي قوة العمل من هذا الاقتصاد تحديدًا: شيء مألوف، موضوع في سياق غير مألوف، يكفي لإعادة النظر في علاقتنا بالأشياء وما تختزنه من آثار إنسانية.

بيانات العمل الفني

أمير الخطيب ، الكرسي الهزّاز والبالون،2026، الخخشب، بالون أبيض، أشغال نجارة، ألوان خشبية44 × 20 × 22 سم

اعداد : م. ماجد قره 5/10/2026

.#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم