يقول الكاتب التشيكي الأصل ميلان كونديرا: (أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلبُ هذا العالم ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام. لم يكن لدينا سوى مقاومة وحيدة ممكنة وهي ألا نحمله على محمل الجد). في هذا المضمار نرى كيف انطلقت الكتابة الساخرة مثل أداة تعبير في مواجهة مرارة الواقع، عبر نقد المسكوت عنه وتعريته بطريقةٍ غير مباشرةٍ خالية من الصِدام وتداعياته، وتطورت عبر العصور لتصبح نافذة لكتّابها على مستوى العالم.
في محاولة للوقوف على تفاصيل أعمق كان لا بد لنا من التوجه إلى اصحاب الخبرة في هذا المضمار من كتاب وأدباء واعلاميين، فروى لنا الأديب المتنوع والغزير العطاء، علم الدين عبد اللطيف من طرطوس بأن السخرية هي ظاهرة إنسانية طبيعية، وترتبط بانفعالات الإنسان،
ويؤكد عبد اللطيف أن السخرية في الآداب القديمة تتصل بالتفكير والثقافة السائدة عموماً، و أنتجت الظاهرة التراجيدية.
في الآداب والفنون الحديثة، والكلام لعبد اللطيف، ظهر الأدب الساخر على يد كتاب كبار، من أوائلهم غوغول، وإذا كان الأدب الساخر قد وجد قبولاً لدى القراء في العالم، فذلك بسبب جِدته أولاً، ومحاولته الخروج من بكائيات الزمن القديم قي الأدب تالياً.
لكن الأدب الساخر واجه بعض الصعوبات، وتراجع كما يلاحظ المتابعون لأسباب مهمة، فعلى الرغم من كثرة الجهود المبذولة لوضع مفهوم دقيق للسخرية، إلا أن جلَّها لم يستطع أن يحدد مفهوماً جامعاً مانعاً، وتعريفاً كاشفاً.
ويتابع الاديب علم الدين :إن السخرية فن يتسم بمراوغة اللغة، ويتميز بالقلب الدلالي والتمويه المعنوي، حيث يعمد الكاتب إلى إبراز معنى لا يقصده، وإخفاء معنى آخر هو المقصود، ومن ثم يكون المتلقي أمام اختبار صعب وتحدٍ حقيقي أثناء فك شيفرات تلك النصوص وتحديد رموزها. والسخرية في الأدب لا تهدف إلى الإضحاك والممازحة فقط، وإنما ترمي إلى هدف أبقى، وهو إصلاح مَواطن الخلل والضعف في المجتمع، والتعبير عن معاناة النفس والآخرين، تقديم التفكير النقديّ بأسلوب فنيّ هزليّ. فإن كُتب ونُشر بصورة صحيحة ساهم في الرقيّ بالأخلاق والارتقاء بالثغرات التي تطال أي مجتمع.
وتابع عبد اللطيف: في سورية فإن حسيب كيالي وحسن ميم يوسف تناولا في قصصهما حالة المهمشين والبائسين، الفلاحين خصوصاً بأسلوب يسخر من جملة حالات تتصل بالتخلف والبؤس والاضطهاد، في حين تناول وليد معماري في قصصه (الرجل الذي رفسه البغل) قضاياً تتصل بالسياسة عموماً بأسلوب صحفي ساخر، ولشخصيات تنتمي إلى الثقافة والسياسة. أما زكريا تامر، فقد اتبع في بنائه القصصي أسلوباً متفرداً في عرض حالة المسحوقين والمعذبين في المدينة “عمال ومشردين وجائعين، ومضطهدين، ومقموعين”، ولم يكن هناك سبيل سوى السخرية، إنما بطريقة مختلفة، فقد طعّم أسلوبه الساخر بالفانتازيا، كما في كتابه “النمور في اليوم العاشر”، واختط طريقة مبتكرة في الأدب الساخر بتقديم كاريكاتيراً خاصاً به في تقديم الشخوص والحالات، يفارق الواقعي.
وحسب راي الكاتب القصصي على خليل فإن الأدب الساخر يحتاج إلى الأديب القادر أن يجعلك تبتسم عندما يشير إلى ألمك، والقادر أن يلتقط المفارقات بين الضحك والألم في حياة المجتمع أو الفرد فيصيغها عبر قصة محبوكة بذكاء، تصف أوجاع الناس بطريقة محببة.
وفي طوافٌ حول المسرح الساخر،
يشير المسرحي والكاتب السوري نور الدين الهاشمي، في الوطن العربي، هناك مئات المسرحيات التي قُدّمت وتقدم على خشبات المسارح ، وكلها تهدف إلى انتقاد العيوب الاجتماعية والسياسية لتطهير المجتمع منها ودفعه للأمام في هذه المرحلة التاريخية الصعبة، وفي سورية يأتي الأديب محمد الماغوط في طليعة الكتاب الساخرين، وخاصة في مسرحياته المشهورة (المهرج – غربة – كاسك يا وطن – ضيعة تشرين – خارج السرب)، ففي مسرحية المهرج نرى أن بطل المسرحية يقف دوماً إلى جانب من يريدون البناء والتطوير ويناصر بطل المسرحية (صقر قريش) الذي استحضره الكاتب من التاريخ، لكن هذا البطل التاريخي يتعرض لمضايقات وازدراء من الجهلة والفاسدين..
وقد نجد السخرية المرة في حنايا المسرحيات الجادة، كما في مسرح الكاتب سعد الله ونوس، ففي مسرحية (الملك هو الملك) نرى ملكاً ضجر من الحكم ورفاهيته فقرر أن يتنكر هو ووزيره بحثاً عن ترفيه وتسلية بين العامة، فيلتقي تاجراً مفلساً يمضي وقته في معاقرة الخمرة والأحلام، فيقرر الملك أن يلبسه ثيابه ويجعله ملكاً ليوم واحد، ولكن الأمر ينقلب إلى جد، فالحاشية لا تفرّق بين ملك وملك مادامت مصالحها في أمان، والفساد إذاً لم يتغير بتغير شخص ذاك الملك كنتيجة.
وفي نظرة أعمق، يؤكد هاني نديم – شاعر وصحافي سوري ” أن الأحزان حولّتني إلى علبة ضحك”!موضحا أن الأدب الساخر ما هو إلا نظرة تدوينية خاصة للعالم المتوحش الذي يحيط بنا، إنه التصريف الذي يمسح بيده على جروح العالم وحماقاته المضحكة.
فالكتابة والأدب مسارات، مثلما الشخوص مسارات، تراجيديا وكوميديا، مأساة وملهاة، ومن و جهة نظر النديم لا يمكن تفكيك المأساة إلا بملهاة، والعكس تماماً، “فمن يحمل بقجة الأحزان على ظهره طول الطريق، يعرف جيداً أين يخبىء فتافيت الضحك”.
والسخرية تحتاج إلى الذكاء واللماحية، وإلا فهي ضحك الحمق البليد.
ليعود هاني نديم فيؤكد جاء أدب السخرية لدي من حياتي، فقد بدأ الحزن باكراً ، وهذا خبر عادي على العموم، إذ أن الحزن والمعاناة متن أصيل من متون الحياة، عكس الفرح والضحك، خاصةً في منطقتنا التي لم تقف فيها الحروب والويلات منذ عقود.. حولني هذا الحزن إلى ماكينة ضحك! ضع قطعة نقود معدنية من الحزن في جوفي، أخرج لك علبة ضحك! .
أما الكاتبة والقاصة والشاعرة السورية أميمة إبراهيم، ، فتشير أنجزت عشرين نصاً بأسلوب ساخر، وبلغة تأخذ مفرداتها من مزج بين العامية والفصحى، و لا ادّعي انتماء هذه النصوص للأدب الساخر، بل لطالما قلت إنها لحظات شغب أنقل فيها الأفكار بطريقة تجعلنا نبتسم رغم الوخزات فيها.
و لا بد من الإشارة والكلام للاديبة ابراهيم إ أن الأدب الساخر يوجد في القص والمقالة والزوايا الصحفية أكثر منه في الشعر..
– من كل ماسبق نستخلص أن السخرية ظاهرة عميقة ،وتزداد مرارةً وعمقاً حين تشتد التناقضات في المجتمع، وخاصة في المنعطفات التاريخية إلى حدّ لا يمكن قبوله ، وأعظم السخرية تلك التي تثير الابتسامة على الثغر وتجعل العقل يفكر بعمق فيما يجري.


