اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه .. تحدٍ خفي وفرص غير محدودة

بقلم: أ. إيمان سيد

في عالم يتسم بالتسارع والضغوط اليومية المتزايدة، يبرز اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه كأحد الاضطرابات العصبية التي لا تزال تُساء فهمها في مجتمعاتنا، رغم تأثيرها الواضح على حياة الملايين، خاصة من الأطفال والشباب، بل ويمتد أثرها إلى مرحلة البلوغ.

هذا الاضطراب، الذي يختصره البعض في “قلة التركيز”، يحمل في طياته أبعادًا أعمق وأكثر تعقيدًا، وهو ما أكدته الدكتورة سمر سعيد، باحثة دكتوراه في علم النفس الإكلينيكي والمعرفي والتخاطب، خلال هذا التقرير.
 
توضح الدكتورة سمر أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ليس ضعفًا في القدرات العقلية، بل هو اختلاف في طريقة عمل الدماغ، خاصة فيما يتعلق بالوظائف التنفيذية مثل الانتباه، وتنظيم السلوك، وإدارة الوقت، ما يجعل المصاب يواجه صعوبات يومية قد تبدو بسيطة للآخرين، لكنها تمثل تحديًا حقيقيًا بالنسبة له.
 
وتتجلى أعراض هذا الاضطراب في ثلاثة محاور رئيسية، أولها تشتت الانتباه، حيث يعاني المصاب من صعوبة في التركيز، ونسيان متكرر، وفقدان الأغراض الشخصية.

أما المحور الثاني فهو فرط الحركة، والذي يظهر في صورة نشاط زائد وحركة مستمرة وصعوبة في الجلوس لفترات طويلة. بينما يتمثل المحور الثالث في الاندفاعية، التي تدفع المصاب لاتخاذ قرارات سريعة دون تفكير كافٍ، أو مقاطعة الآخرين أثناء الحديث.
 
وتشير الباحثة إلى أن أسباب اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه متعددة، حيث تتداخل العوامل الوراثية مع التغيرات في كيمياء الدماغ، بالإضافة إلى بعض المؤثرات البيئية التي قد تلعب دورًا في ظهوره.
 
ولا يقتصر تأثير الاضطراب على الجانب الدراسي فقط، بل يمتد ليشمل مختلف جوانب الحياة، حيث يواجه المصابون صعوبة في تنظيم الوقت، وإنجاز المهام، والحفاظ على استقرار العلاقات الاجتماعية، ما قد يؤدي في بعض الأحيان إلى الشعور بالإحباط أو انخفاض الثقة بالنفس.
 
وفيما يتعلق بالتشخيص، تؤكد الدكتورة سمر سعيد أن الوصول إلى تشخيص دقيق يتطلب تقييمًا نفسيًا متكاملًا، ومتابعة سلوكية على مدار فترة زمنية، مع ضرورة استبعاد أي اضطرابات أخرى قد تتشابه في الأعراض، محذرة من الاعتماد على التقييمات السريعة أو الذاتية.
 
أما عن سبل التعامل مع اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، فتشير إلى أن العلاج لا يهدف إلى “تغيير” الشخص، بل إلى مساعدته على إدارة أعراضه بفعالية، من خلال مزيج من العلاج السلوكي، الذي يركز على تنمية مهارات التنظيم والتركيز، إلى جانب العلاج الدوائي في بعض الحالات، مثل استخدام ميثيلفينيديت أو أمفيتامين تحت إشراف طبي متخصص، بالإضافة إلى أهمية تبني نمط حياة صحي يعتمد على النوم المنتظم، وممارسة الرياضة، وتقليل المشتتات.
 
وتختتم الدكتورة سمر حديثها بالتأكيد على أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لا يجب النظر إليه كعائق، بل يمكن أن يكون دافعًا للإبداع والتميز إذا تم التعامل معه بشكل صحيح، مشيرة إلى أن كثيرًا من المصابين يمتلكون طاقات إبداعية وقدرات استثنائية تحتاج فقط إلى التوجيه والدعم.

في النهاية، يبقى الوعي المجتمعي هو حجر الأساس في التعامل مع هذا الاضطراب، فكلما زاد الفهم، قلت الأحكام المسبقة، وازدادت فرص الاحتواء والنجاح.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم