اآشور بانيبال بين الدم والخلود
الطاغية والمثقف سياق الطاغية المثقف: آشور بانيبال بين الدم والخلود
شخصية بانيبال تطرح إشكاليّة السُّلطة والثقافة (ميغازين)
ممدوح النابية كاتب وناقد”إن الطاغية يصنع شعبه على شاكلته”إسماعيل كادر يهلم يدرك جلجامش وهو يبحث عن سر الخلود كي ينتصر على الموت، وقد قاده بحثه إلى المخاطرة برحلة في الغابات حتى وصل إلى عشبة الحياة؛ لكن انتهى به المطاف إلى الموت بعد أن أكلتها الحيّة. لم يدرك أن تخليد الذكرى يستوجب ترك حكاية جميلة، وهو الأمر الذي أدركه جيدًا أشور بانيبال حاكم الإمبراطورية الآشورية الحديثة خلال الفترة من عام 668 قبل الميلاد إلى وفاته عام 631 قبل الميلاد، الذي بحث هو الآخر عن الخلود، لكن بطريقة أكثر غرابة تتنافى مع طبيعته كملك طاغية، حيث قام بتخليد ذكراه بالمكتبة التي أنشأها في نينوى، ارتبطت معظم الألقاب بعلاقته بالثقافة والقتل والتدمير في تناقض عجيب مع حامل الثقافة. فهو “ملك الجهات الأربع للعالم، مُحطّم أعدائه، مدمر المدن، ذو الحكمة، ناصر الكلمة، الملك الكتبي، العاهل المتعلم، وحاكم بلاد الرافدين المثقف”.العجيب أنه مع كل هذه الألقاب التي تضفي عليه صفة المثقف، فإنه كان دكتاتورًا، ومعروفًا باستبداده وميله إلى القتل والعنف، حيث أشرف على سلب مدن، وتجويع شعوب، لم يترك للناس خيارًا إلا أكل جثث ذويهم، سوّى البلدان بالأرض، حطّم المعابد، نثر الملح على الحقول المحروثة، وسلخ جلود القادة المتمردين، استباح قبور أسلاف أعدائه كي لا تنام أرواح في سلام خصومه، وشنق أنصارهم، وأطعم أجسادهم “لطيور السماء، وأسماك البحر”.الملك الكتبياستخدم القوة مع كل أعدائه، بما في ذلك مُعلّمه الذي خانه وباع أسرار قصره إلى أخيه الذي كان يكيد له في بابل، ألحّ عليه مستشاره بقطع رأسه، لكنه كان يفكّر في عقاب أكثر تنكيلًا، فأمر بإحراقه، متناسيًا فضله عليه فيما اكتسبه من علوم ومعارف، لكن الشيء الذي يُحسب له هو إنشاء المكتبة الملكيّة العظيمة في نينوى بما احتوته من سجلات المعرفة، فهي صنيعه الأعظم والأبهى، وطموح حياته، إنجاز لا مثيل له في مداه وحجمه. ومع هذه السيرة العظيمة، تُعلّق أليف شفق قائلة: “إن هذه الألقاب لن تنسي الناس أنه رغم تعليمه وثقافته، لم يكن أقل قسوة من سابقيه، فلقد سمّم منابع المياه، وصار الناس يذبحون حيواناتهم ليشربوا دماءها من شدة العطش، لم يبق للأمهات حليب يرضعن به أطفالهن. مثلما كان رجل القوة الغاشمة، كان رجل الأفكار والمثل” (كتاب هناك أنهار في السماء، ص18).شخصية بانيبال تطرح إشكاليّة السُّلطة والثقافة، وكيف أن الثقافة لم تغيّر مزاج الدكتاتوريين. الثقافة والفنون بصفة عامة تهذيب للروح والمشاعر، لكن الحقيقة أن معظم الطغاة رغم تلبسهم بلبوس الثقافة وادعائهم محبتهم للشعر والآداب، والعمل على إثراء الفنون في بلدانهم إلا أن طبيعتهم الدكتاتورية لم تتغير، والشاهد شخصية بانيبال، فأسطورة الرجل تشير إلى أنه لم يحكم الأرض ومَن عليها فحسب، بل كان يحكم الينابيع أيضًا وروافدها، حيث وجّه هو وأسلافه “نهر دجلة في شبكة معقدة من القنوات والسدود والخنادق وخزنوا الماء في أحواض وخزانات، فجعلوا من هذه الأرض فردوسًا”. الغريب في سيرته أن أفعاله التي قام بها بعدما تولّى الملك خلفًا لأبيه الذي اختاره وفضّله ليكون خليفته، وهو ما سبّب مفاجأة لأخوته، تتناقض مع تكوينه الذي تربّى عليه منذ نشأته. فمنذ أن كان وليًا للعهد تلقّى تعليمًا رفيعًا على عكس إخوته الذين تعلموا الفنون القتالية، والخطط الحربيّة، والمناورات السياسيّة. أما هو فقد تلقّى تعليمًا رفيعًا في الفلسفة والتاريخ والتنجيم الزيتي واللغة والأدب، وأتقن تعاليم الكهنة والكتبة وتعلّم قراءة السومرية والأكادية، فكان أكثر الحكام تعليمًا وثقافة، لدرجة أن عصره عرف بـ”العصر الذهبي للفن الآشوري، والآداب الأشورية” (خزائن الكتب القديمة، ص50)، وقد عرف عنه أن غرامه بالقصص، كان كل ما يحتاجه حكاية مأثورة، حكاية تصوّره بطلًا، وكانت ملحمة جلجامش كتابه الأثير، غرامه بجلجامش جعله لا يقنع بما عنده من ألواح، فاعتقد أن لها نسخًا أخرى، فأرسل مبعوثيه لجمع الألواح كي تصبح كل نسخ الألواح تحت سقف مكتبته. ومن عاداته أنه كان ينعزل عن الناس ويدخل مكتبته منغمسًا في اللوح الأزرق، المدوّن عليه ملحمة جلجامش، وهو على هذه الحالة ينسى مؤامرات أخيه الأكبر في بابل كي يستولي على العرش، ودسائس القصر، والثورات التي تندلع في أرضه وخارجها، في الأناضول، وميديا وأورارتو ومصر، وقلقيلية، وعيلام، وغيرها.اسمه يتكوّن من ثلاثة مقاطع، الأوّل منه وهو اسم الإله “آشور”، الإله القومي للآشوريين وكبير آلهتهم، أما المقطع الثاني “ban”، أي خلق أو أنجب أو أنشأ، أما المقطع الثالث “Apli”، فتعني بالآشورية الابن، وبهذا يكون اسمه “الإله آشور خالق الابن”، لكنه ذكر أن الآلهة اختارته من قبل ولادته ليكون المنقذ لتمثال عشتار التي نقلها العيلاميون خلال حملة لهم على بابل، وكلفته قبل زهاء، وينسب نفسه إلى الطبيعة البشرية فيقول: “أنا لا أعرف أبي وأمي.. ألهتي أنشأتني”. ولعه بالمعرفة جعله يفتخر بهذه المعرفة، وعندما عرف نفسه قال هكذا: “أنا آشور بانيبال، فقد اختزنت في قصري حكمة نبو، واستوعبت ما في الألواح المدونة، وكل ما في ألواح الطين من خفايا ومشاكل”.ثقافته الرفيعةاعتنى به أبوه، الملك الآشوري أسرحدون، وأشرف على تربيته بنفسه، وتعليمه الجوانب الثقافية والعلمية، وكذلك فنون الحرب والقتال، فعهده إلى المعلم نابو – آخي – أربيا كي يشرف على تربيته وتعليمه وتهذيبه، وقد هيّأ له معلمه كل المستلزمات الضرورية لإعداده، ومنها توفير مجموعة من الأساتذة المتخصصين الذين أسهموا في تعليمه اللغات القديمة. عندما تولّى الحكم خلفًا لأبيه أول شيء قام به هو إعادة فتح مصر التي ثارت بعد عامين على فتح أبيه لها، فاستنفر الجيوش لإعادة فتحها، وأوقع جيشه هزيمة بجيش الفرعون طهراقا، فهرب من منف إلى طيبة، فلاحقه الجيش الآشوري فانتصر عليه وفتح المدينة.هكذا أثبت جدارته الحربية بإدارته، وإتقانه لهذه المسؤوليات، وحنكته السياسية الواضحة، لكنه واجه ثورات عارمة في البلاد التي فتحها، إضافة إلى تمرد أخيه (شمش – شوم – أوكن) في بابل، فقد أثار انشغال أخيه في عدة جبهات أطماعه الكامنة بعد أن ظل مواليًا له في الظاهر لمدة 17 عامًا. أهم شيء يحسب له وخلّده بعيدًا عن الانتصارات التي لاحق بها أعداؤه، هو إنشاء المكتبة الملكية العظيمة في نينوى بكل ما حوت من سجلات المعرفة.وتعد خزانة مكتبة نينوى التي أشرف على تأسيسها الملك آشور بانيبال واحدة من أقدم خزائن الملوك في العراق، وأجلها شأنًا، ومن أجل تكوينها أرسل نسّاخه وخطاطيه إلى مظان العلم والأدب المختلفة في زمنه، كبابل وريور سبا، وأكداكوثي ونفر وآشور، وغيرها، فنسخوا له جميع المؤلفات المهمة، وجمعوا له شتات العلم ودونوها وحفظوها في خزانته. كرس آشور بانيبال الكثير من الوقت والاهتمام لإنشاء مكتبته. في بعض الأحيان كان يشرف على عملية النسخ بنفسه، حتى أنه يقترح تعديلات حسب ذوقه، وكانت هذه السياسة تتعارض مع ممارسة الكتابة. كان يُعتقد أن النصوص تحتوي على المعرفة القديمة التي نقلتها الآلهة أو الحكماء من العصور السابقة، لذلك كان كتبة المعابد حريصين على عدم إجراء تغييرات. إن اختيار آشور بانيبال لكسر هذه القاعدة يدل على أنه كان يعتبر نفسه جديرًا بمكان بين مجموعة عالية من الحكماء السبعة.وقد ضمّت هذه الخزانة، بحسب ما وصفت، كثيرًا مما عرفه البشر يوم ذاك من أفانين العلم والأدب والدين، ففيها مصنفات في التاريخ والأخبار والرسائل والسحر والصرف والنحو والأدب والشعر والقانون، والتنجيم والفلك والجغرافيا والطب والتاريخ الطبيعي والصلوات، والطقوس، والأساطير والقصص، مثل قصة الخلق وقصة الطوفان. ونتيجة لهذه المعارف والعلوم التي يصعب حصرها وصفت بأنها “دائرة معارف” تحوي ما توصل إليه الأقدمون من معارف، وقد عثرت بعثات التنقيب التي قادها السير البريطاني هنري لايارد على العديد من الألواح التي وصلت إلى ثلاثين ألف لوح نقلت جميعها إلى المتحف البريطاني عقب اكتشافها. ومع نهاية حكمه دُمرت نينوى نتيجة تحالف البابليين والسكوثيين والميديين، واندلع حريق هائل في القصر طال المكتبة مفضيًّا إلى انصهار معظم ألواح الطين، أما ما تبقى منها فأُرسل إلى المتحف البريطاني، ومن بينها ألواح ملحمة جلجامش، أول ملحمة عن الطوفان.نعود إلى وصفه بالطاغية أو الدكتاتور، والسؤال: هل ينطبق عليه؟ يقول إمام عبد الفتاح إمام إن الدكتاتور أو الطاغية “يصل إلى الحكم بطريق غير مشروع، فيمكن أن يكون اغتصب الحكم بالمؤامرات، أو الاغتيالات، أو القهر، أو الغلبة” (الطاغية، ص42). يُعدّد إمام الصفات التي يمكن أن تلتصق بمن يُطلق عليه دكتاتور أو طاغية، كأن لا يعترف بقانون أو دستور في البلاد، إرادته هي القانون الذي يحكم. كما يسخر كل موارد البلاد لإشباع رغباته أو ملذاته أو متعه، لا يخضع للمساءلة، ولا للمحاسبة، لا للرقابة من أي نوع. بصفة عامة هو يأتي دائمًا على غير إرادة شعبه، عبر اغتصاب للسلطة.لكن لو تأمّلنا وصول آشور بانيبال إلى سدة الحكم لعرفنا أنه جاء بناء على وصية أبيه، فهو وريث الحكم، حتى ولو تخطّى أبوه أخاه الأكبر، وورثه السلطة، فهو لم يسع إلى الحكم، أو ينقلب على أبيه، أو حتى يغتصب الحكم عنوة من أخيه. إذًا، السمات الشكلية للدكتاتور لا تنطبق عليه، لكن ما فعله بعد أن ورث السُّلطة يشير إلى تجبرّه وإذلال أعدائه، كيف صاحب التكوين الثقافي يتحول إلى طاغية؟ هل ثمة تحول في شخصيته، أم أن ذاته تنقسم إلى ذاتين؛ الأولى تلك التي يتوارى فيها عن الناس ويختلي في المكتبة، والأخرى التي تتلبس لبوس الدكتاتورية؟ كيف يفصل بين الشخصيتين؟ وأين القيم التي اكتسبها من الكتب، ومن تعاليم الحكماء؟ وأين الدروس التي حصلها من قراءته لجلجامش؟ كيف تتوازى صورة المثقف أو الملك الكتبي كما كان يحب أن يلقب، واعتزاله في غرفته للقراءة، ونهمه لجمع المخطوطات، مع صورة الآخر الذي يستبد بخصومة؟فكرة الطاغية المستبد الذي يهتم بالعلم والثقافة متكرّرة في الأدبيات السياسيّة، فيذكر أن الإسكندر الأكبر صنع مجد الإغريق القديم، وبالمثل ستالين كان طاغية لكنه أسس وبنى مجدًا لروسيا، وكذلك نابليون بونابرت كان طاغية تحركت جيوشه للغزو في كل مكان، لكن بنى مجد فرنسا وسطر لها انتصاراتها الحربية، وهو ما فعله بانيبال، حقق انتصارات حربية على أعدائه، وفي الوقت نفسه أسس المكتبة الخالدة (من الممكن القوس يفتح ليضم أسماء كثيرة من الحكام العرب على نحو معمر القذافي وصدام حسين وغيرهما…).يقرّ الدكتور إمام أن مصطلح “المستبد العادل أو الطاغية المثقف” ظهر في القرن الماضي في الفكر السياسي الأوروبي، استخدمه المؤرخون الألمان للدلالة على نظام معين في الحكم في تاريخ أوروبا الحديث، وقد شاع في أدبيات الشرق لدرجة أن الشيخ جمال الدين الأفغاني في “العروة الوثقى”، اعتبر أن الحل الوحيد لمشكلات الشرق يكمن في “المستبد العادل” الذي يحكم بالشورى. في حالة آشور بانيبال رغم اقتران صفة الطاغية به في حروبه مع أعدائه والبلدان التي خضعت له ثم تمرد قادتها عليه، تناقض تلك الأفعال التي كان يقوم بها كاهتمامه بالفنون وإنشاء المكتبة، وقراءته للكتب وولعه بملحمة جلجامش، ومع كل هذا فكان ميالاً لسفك الدماء والانتقام من خصومه، لا نريد القول إن الثقافة كانت هنا مجرد زينة، ولم تهذب الطاغية التي في داخله؟ لكن السؤال: لماذا لم تؤثر الثقافة في تغيير طبيعة الدكتاتوريين وتحد من سطوتهم في القتل والسفك؟علماء النفس وهم يبحثون عن سيكولوجيا الطغاة، صنفوهم تحت بند “الشخصية البارانوية الملوثة بسمات سيكوباتية ونرجسية”، ومرجع هذا عندهم لمشاكل في الطفولة عاشوها بسبب صعوبة إقامة علاقة ثقة دافئة مع أحد الأبوين أو كليهما، وفي معظم الأحيان تتسم الأم بالسيطرة والقسوة والتلذذ بمعاناة الآخرين. وفي أحيان أخرى تكون الأم عنيفة ومسيطرة والوالد ضعيف ومستسلم؛ وفي هذا الجو الأسري المضطرب الخالي من الحب والثقة يتعلم الطفل أنه لا أمان ولا ثقة ولا حبّ، وأن العالم المحيط به يتسم بالعدوانية والقسوة ولا مكان فيه إلا للقوى المسيطر المستبد. (سيكولوجية الطغاة، والمستبدين، ناصر أحمد سنة، موقع أنفاس نت).لكن لو تأمّلنا حياة بانيبال وتكوينه وعلاقته بأبيه، لا نجد أن مثل هذا التحليل ينطبق عليه، فعلاقته بعائلته سوية بدليل أن أباه فضّله على باقي إخوته، وأورثه ملكه، وفي صراعه مع أخيه لم يتعامل بطيش أو تهور، بل صدّر الحكمة والعقل. إذًا، هذا التحليل لا ينطبق على شخصية بانيبال وإن انطبق وتماشى مع غيره، في ظني أن ما يدفع الدكتاتور أو الطاغية إلى حالة الانقسام في شخصيته، بين الشخصية الدموية، والشخصية المهتمة بالثقافة، هو وعيه الشديد أن ما كان يقوم به من أفعال قتل وتدمير وتنكيل لن تحفظ له اسمه، بل تكيل له اللعنات، فكان السعي دومًا وراء ذكرى تعطر اسمه، وتمحو ما علق به من أفعال الطغاة، فركّز كثيرٌ منهم على الاقتران بالثقافة، فرأينا طغاة ولعين بالكتب، والتأليف، وآخرين لديهم ولعٌ بالفنون والمكتبات، وهناك مَن يتباهى بالتقاط الصور داخل مكتبته المتخمة بالكتب على أرففها.كما تظهر الصورة المعروضة لرئيس وزراء بريطانيا ويليام يوارت غلادستون، وقد سمّى مكتبته “معبد السلام”، وكان يراها فردوسه بعيدًا عن معترك السياسة. الشواهد على هذا كثيرة، وليس آخرها صورة رئيس وزراء الكيان الصهيوني وهو يضع على مكتبه أثناء مكالمته مع الرئيس الأميركي كتاب بعنوان “حلفاء في الحرب”، والرغبة في الخلود هو ما دفع الطغاة إلى التمسُّك بالثقافة والاهتمام بالفنون ورعاية الكتب والكتاب، لكن لم تكن الثقافة تعنيهم بقدر ما كان يعنيهم هو الخلود، وارتباط أسمائهم بما يمحو عنه ذكرى الأفعال السيئة، فمع كثرة أفعال بانيبال بقي اسمه محفورًا بالمكتبة التي خلّدها في نينوى،أما ما عدا ذلك فقد طواه النسيان، وبالمثل صارت صورة غلادستون في قلعة هاواردن والكتب خلفه هي الباقية التي تخلّد ذكره.#مغازين#مجلة ايليت فوتو ارت


