اسلوب حياتنا اليوم يؤثر على نمط عمل دماغنا

🧠هل تعلم أن الطريقة التي تقضي بها يومك يمكن أن تؤثر في طريقة عمل دماغك؟
لم يعد العلم ينظر إلى الدماغ باعتباره عضوًا تتوقف قدرته على التغير بمجرد انتهاء الطفولة، بل نعرف اليوم أن الدماغ يمتلك قدرة remarkable على التكيف وإعادة تنظيم بعض اتصالاته ووظائفه استجابة للتعلم والخبرة والتدريب، وهي القدرة التي تعرف باسم المرونة العصبية Neuroplasticity.
والأهم أن هذه القدرة تستمر طوال الحياة، وإن كانت طبيعة التغيرات وسرعتها تختلف باختلاف العمر والخبرة والمهارة.
🔬 ما المقصود بالمرونة العصبية؟
عندما تتعلم لغة جديدة، أو تعزف آلة موسيقية، أو تتدرب على مهارة جديدة، لا يقتصر الأمر على حفظ المعلومات فقط.
مع التدريب والتكرار، يمكن أن تتغير طريقة تواصل بعض الخلايا العصبية مع بعضها، وتتغير كفاءة بعض الشبكات الدماغية المرتبطة بالمهارة التي تتعلمها.
بمعنى أبسط:
🧠 الدماغ يتكيف مع ما نستخدمه باستمرار.
ولهذا فإن التعلم المستمر ليس مجرد اكتساب معلومات جديدة، بل هو أيضًا تدريب للدماغ.
🎵 الموسيقى مثال واضح
أظهرت دراسات على الموسيقيين وجود اختلافات في بعض المناطق والشبكات الدماغية المرتبطة بالسمع والحركة والتنسيق ومعالجة الأصوات مقارنة بغير الموسيقيين.
كما ارتبط التدريب الموسيقي طويل المدى بقدرة أكثر دقة على معالجة بعض خصائص الأصوات.
وهذا لا يعني أن الموسيقى تجعل الدماغ “أكبر” بشكل عام، وإنما يوضح كيف يمكن للتدريب المتكرر على مهارة معينة أن يرتبط بتغيرات وظيفية وبنيوية في الشبكات التي تشارك في أداء هذه المهارة.
👶 لماذا يهم هذا الأمر الأطفال بشكل خاص؟
الطفولة فترة شديدة الأهمية لنمو الدماغ واكتساب المهارات.
فالطفل لا يتعلم فقط عندما يجلس أمام كتاب أو درس تعليمي، بل يتعلم من اللعب والحركة والحوار والاستكشاف والتجربة والتفاعل مع الآخرين.
لذلك فإن البيئة المحيطة بالطفل يمكن أن توفر له فرصًا كثيرة لبناء المهارات وتطويرها.
📚 اقرأ معه
💬 تحدث معه واسأله عن أفكاره
🧩 شجعه على حل المشكلات
🎨 اترك له مساحة للرسم والإبداع
🎵 علمه مهارة جديدة
🏃 شجعه على الحركة واللعب
🌳 خذه لاستكشاف العالم من حوله
📱 وماذا عن الهاتف والشاشات؟
هنا نحتاج إلى الدقة.
الشاشة بحد ذاتها لا تعني أنها تدمر خلايا الدماغ.
لكن المشكلة قد تظهر عندما يحتل استخدام الشاشة وقتًا طويلًا من يوم الطفل على حساب أشياء يحتاجها دماغه للنمو والتطور مثل:
😴 النوم الكافي
🏃 النشاط البدني
👨‍👩‍👧 التفاعل مع الأسرة
📚 القراءة والتعلم
🎨 اللعب والإبداع
🌳 الاستكشاف والتفاعل مع البيئة
كما أن تأثير الشاشة ليس واحدًا في كل الحالات؛ فهناك فرق بين طفل يشاهد محتوى عشوائيًا لساعات طويلة بمفرده، وطفل يستخدم تقنية تعليمية مناسبة لعمره مع وجود تفاعل ومشاركة من الوالدين.
المحتوى والعمر ومدة الاستخدام والسياق الذي تتم فيه المشاهدة كلها عوامل مهمة.
😴 لا تنسَ النوم
إذا كنا نتحدث عن دماغ يتعلم ويتغير، فلا يمكن تجاهل النوم.
النوم يرتبط بعمليات مهمة للذاكرة والتعلم وتنظيم وظائف الدماغ، ولذلك فإن تقليل ساعات النوم باستمرار من أجل الهاتف أو الألعاب أو مشاهدة المحتوى ليس مقايضة جيدة لصحة الطفل وتعلمه.
🏃 الحركة أيضًا «تغذي» الدماغ
النشاط البدني لا يتعلق بالعضلات والقلب فقط.
الأدلة العلمية تشير إلى ارتباط النشاط البدني بصحة الدماغ والوظائف المعرفية، ولهذا فإن الطفل يحتاج إلى وقت يومي للحركة واللعب وليس فقط الجلوس أمام الأنشطة التعليمية أو الشاشات.
الطفل الذي يتحرك ويتعلم ويلعب ويتفاعل يحصل على بيئة أكثر تنوعًا من الطفل الذي يقضي معظم يومه أمام شاشة واحدة.
🌱 الدماغ يتدرب على ما تكرره
ربما تكون هذه أهم فكرة في الموضوع كله:
ما تكرره باستمرار يصبح جزءًا من الخبرة التي يتكيف معها دماغك.
إذا كررت القراءة والتعلم والعزف وحل المشكلات والتفاعل الاجتماعي، فأنت تمنح دماغك فرصًا مستمرة لممارسة هذه المهارات.
وإذا أصبح معظم وقتك خمولًا ومحتوى سريعًا وانتقالًا مستمرًا بين الشاشات، فأنت أيضًا تجعل هذا النمط جزءًا كبيرًا من تجربتك اليومية.
وهذا لا يعني أن الدماغ “يتلف” بسبب الهاتف أو أن استخدام الشاشة يجعل الطفل أقل ذكاءً بشكل مباشر، وإنما يعني أن توزيع الوقت بين الأنشطة المختلفة مهم.
🧠 وماذا عن التأمل والتفكر؟
بعض الدراسات التي بحثت في التأمل وجدت تغيرات في نشاط أو بنية بعض المناطق والشبكات الدماغية المرتبطة بالانتباه والتنظيم الذاتي وغيرها.
لكن النتائج ليست متطابقة في جميع الدراسات، ولذلك لا يصح القول إن التأمل وحده يجعل منطقة معينة من الدماغ “تكبر” أو يضمن زيادة الذكاء.
الفكرة الأكثر دقة هي أن الممارسات الذهنية المتكررة قد تؤثر في بعض وظائف الدماغ وشبكاته، وما زال هذا المجال قيد البحث العلمي.
🔢 وهل يولد الإنسان بعدد ثابت من الخلايا؟
ليس من الدقة القول إن الإنسان يولد بعدد ثابت تمامًا من خلايا الدماغ ثم يبدأ العدد بالانخفاض فقط.
يُقدّر عدد الخلايا العصبية في الدماغ البشري بنحو 86 مليار خلية عصبية، لكن وظائف الدماغ لا تعتمد على عدد الخلايا وحده.
الأهم هو كيفية اتصال هذه الخلايا وتنظيم الشبكات العصبية وتغيرها مع الخبرة والتعلم.
كما أن بعض أشكال تكوّن الخلايا العصبية الجديدة لدى البالغين ما زالت موضوعًا للبحث والنقاش العلمي، لذلك لا ينبغي اختزال قدرة الدماغ على التغير في فكرة “إنتاج خلايا جديدة” فقط.
👨‍👩‍👧 ماذا يمكن أن يفعل الوالدان عمليًا؟
بدل أن يكون هدفنا فقط تقليل الهاتف، يمكننا أن نفكر بطريقة أوسع:
🌱 ابنِ للطفل بيئة غنية بالتجارب.
📚 خصص وقتًا للقراءة والحوار
🧩 مارسوا ألعاب حل المشكلات
🎵 شجعوا تعلم الموسيقى أو مهارة جديدة
🏃 اجعلوا الحركة واللعب جزءًا من اليوم
🌳 اخرجوا لاستكشاف الطبيعة والبيئة
💬 تحدثوا مع الطفل واسألوه “لماذا” و”كيف”
😴 حافظوا على نوم منتظم وكاف
📱 واجعلوا استخدام الشاشة منظمًا ومناسبًا للعمر والمحتوى
الفكرة ليست أن نمنع التكنولوجيا… بل ألا نسمح لها بأن تصبح العالم الوحيد الذي يتعلم منه الطفل.
💡 الخلاصة
الدماغ ليس جهازًا ثابتًا يتوقف عن التغير بعد الطفولة.
الدماغ يمتلك قدرة مستمرة على التكيف مع التعلم والخبرة والتدريب، وهذه هي المرونة العصبية.
لكن المرونة العصبية ليست “سحرًا”، ولا تعني أن أي نشاط يمكنه زيادة الذكاء أو تكوين ملايين الخلايا الجديدة بمجرد تكراره.
ما نستطيع فعله هو توفير بيئة تدعم الدماغ: تعلم، حركة، نوم، تفاعل اجتماعي، لعب، استكشاف وتجارب متنوعة.
📌 نصيحتك اليوم لطفلك قد تكون بسيطة جدًا: أغلق الهاتف قليلًا… وافتح له بابًا للعالم الحقيقي.
فربما يكون اللعب، والسؤال، والاستكشاف، والقراءة، والحوار من أبسط الطرق التي تمنح دماغه فرصًا مستمرة للتعلم والنمو.

#طبيب #مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم