الذاكرة وأدب المقاومة في القصة القصيرة جدًا: مقاربة في نصوص #حسين_درمشاكي (“رائحة البارود” و”أمة تاهت عن الحق”)
بقلم الناقد : عصام الدين أحمد صالح
المقدمة:تمثّل #القصة_القصيرة_جدًا جنسًا سرديًا معاصرًا يستمد خصوصيته من الاقتصاد اللغوي والتكثيف الدلالي والمفارقة الفنية، وقد استطاع هذا الشكل أن يفرض حضوره في #المشهد_الأدبي_العربي خلال العقود الأخيرة بوصفه أداة فنية قادرة على التقاط اللحظة الإنسانية والوجودية في أقصى درجاتها تكثيفًا.👇وفي هذا الإطار، يقدّم #القاص_الليبي #حسين_بن_قرين_درمشاكي إسهامًا لافتًا، إذ يزاوج في نصوصه بين البعد الشخصي الحميم والبعد الجمعي المقاوم، معتمدًا على لغة تجمع بين البساطة والرمزية، وبين السرد والنَّفَس الشعري.👇ينبثق صوت #درمشاكي من سياق ذاتي ووطني في آن واحد؛ فهو ابن #مدينة_سرت التي شهدت الانقسام والحروب، لكنه لا يتوقف عند حدود #التجربة_الليبية، بل ينفتح على الهمّ العربي الأوسع، وفي مقدمته #القضية_الفلسطينية. 👇فقد كتب نصوصًا أخرى تستحضر #مأساة_غزة وصمودها، الأمر الذي يبرهن أن مشروعه السردي يتحرك بين المحلي والكوني، بين جرح الذات وجرح الأمة.👇تقوم هذه الدراسة[1]على مقاربة نصَّين من أبرز نصوصه، هما: “#رائحة_البارود”[2] و”#أمة_تاهت_عن_الحق”[3]، وقد قُدِّما للقراءة في صالون أقلام أونلاين الثقافي.👇ومن اللافت أنّ السياق لم يُفصح ما إذا كان اختيار النصين قد تمّ من الكاتب نفسه أم من منظمي الصالون، وهو غموض يفتح بعدًا نقديًا مهمًا: إذ يطرح سؤالًا حول ما إذا كان هذان النصان يمثّلان رؤية الكاتب المتعمّدة لتلخيص مشروعه الأدبي (الذاكرة والفقد/المقاومة والخذلان)، أم أنهما اختيرا بوصفهما التعبير الأكثر صدقًا عن صوته في اللحظة #العربية الراهنة.👇وفي كلا الحالين، فإنّ الجمع بين النصين يبدو دالًا على وعي ــ مقصودًا كان أم غير مقصود ــ بأنهما يقدّمان وجهين متكاملين لمشروع درمشاكي: ذاكرة الحرب ومأساة الأمة. 👇إنّ مقاربة هذين النصين تقتضي وضعهما في سياقين متداخلين:· السياق الفردي/السيري المرتبط بخبرة الفقد الشخصي وما تتركه من أثر في تشكّل النصوص.· السياق الجمعي المتصل بالهمّ العربي الراهن، حيث يشكّل مشهد غزة اليوم مرآة لخذلان الأمة وتداعيها، كما يشكّل مرجعًا حيًا لأدب الحرب والمقاومة. 👇وتنطلق هذه الدراسة من فرضية أن نصوص درمشاكي لا تكتفي بتسجيل الفقد أو الحنين، بل تعمل على تحويل التجربة الفردية إلى ذاكرة جمعية، وتحويل الفقد إلى طاقة مقاومة، بما يجعل القصة القصيرة جدًا عنده أداةً جمالية وسياسية في آن واحد. 👇بناءً على ذلك، ستتم مقاربة النصين عبر ثلاثة مداخل تحليلية متسلسلة:· مدخل الذاكرة الفردية والجمعية: لفهم كيف يُستحضر الماضي ليؤسّس ذاكرة مقاومة.· مدخل أدب الفقد: لتبيّن كيف يتجاوز الحزن الفردي نحو أفق إنساني وجمعي.· مدخل أدب الحرب والمقاومة: لقراءة الرموز والدلالات الأخلاقية والسياسية في النصين. 👇وفي ضوء هذه المداخل، ستطرح الدراسة سؤالها المحوري:هل تكتفي قصتا “رائحة البارود” و”أمة تاهت عن الحق” بتكرار صورة واحدة للفقد والخذلان، أم أنهما تفتحان أفقًا متعدد الطبقات من المعاني يجعل من تجربة درمشاكي نموذجًا لكتابة الذاكرة والمقاومة في القصة القصيرة جدًا؟ 👇أولًا: مدخل الذاكرة الفردية والجمعيةتُعدّ الذاكرة إحدى الركائز المركزية في تجربة حسين بن قرين درمشاكي السردية؛ فهي لا تُستدعى بوصفها حنينًا شخصيًا فحسب، بل تتحول إلى بنية جمالية وأداة مقاومة، وهو ما يجعلها أقرب إلى ما يسميه #داود_سلمان_الشويلي[4] “آلية الاسترجاع” في القصة القصيرة جدًا، حيث يُستحضر الماضي لا لمجرد استدعاء الصور، بل لإنتاج دلالات جديدة في الحاضر.👇وإذ نرى ان الاسترجاع[5] قد يضطلع بوظيفة جمالية ومعنوية، فإن نصوص درمشاكي تجسد هذا التوظيف بوضوح:فالذاكرة عنده ليست مجرد تقنية، بل هي فضاء تتقاطع فيه التجربة الفردية والجماعية. 👇1. “رائحة البارود”: الذاكرة الفردية كمرآة للجمعيفي هذا النص، تتجسّد الذاكرة عبر شخصية الأب نصر العجوز، الذي يعيش حاضرًا هشًا مثقلًا بعبء الماضي. كل تفصيلة في المشهد السردي – “عبق البارود العتيق”، “الصورة الباهتة”، “المفتاح الصدئ”، “الصندوق الخشبي” – تعمل بوصفها محفّزات ذاكرية تعيد القارئ إلى زمن الحرب.غير أنّ هذه العلامات لا تبقى في حدود الفرد، بل تنفتح على الجماعة: فالأب لا يحتضن صورة ابنه العسكري وحده، بل يحتضن معها ذاكرة جيل كامل أُهدر شبابه في الحروب.العبارة: «جلس نصر العجوز على كرسيه الخشبي المتهالك. يده ترتجف كغصنٍ منهكٍ… وهو يرفع فنجان قهوته» تقدّم صورة مثقلة بالزمن، لكنها ما تلبث أن تتحول إلى رمز جمعي، حيث يتداخل الحزن الخاص مع الحزن العام.وهنا يتأكد ما ذهب إليه الشويلي[6] من أنّ نصوص درمشاكي “تنطلق من الاشتياق والحنين، لكنها لا تقف عندهما، بل تترجم ذلك في صيغة إنسانية عامة”. 2. “أمة تاهت عن الحق”: الذاكرة الجمعية كوثيقة تاريخيةفي هذا النص، ترتقي الذاكرة من المستوى الفردي إلى الجمعي الصريح. شخصية أبو الحكمة تحمل في عباراته “خارطة لخذلان قديم”، كأنها تجسّد قرونًا من تاريخ الأمة المثقل بالانكسارات.ويأتي الشاب سند ليجسّد الامتداد الجديد لهذه الذاكرة، لكن استشهاده يحوّلها إلى وثيقة جمعية منقوشة في الوعي الجمعي.وصيته الأخيرة – «لا تبكوا علينا، بل ابكوا على حال أمة تاهت عن الحق» – لا تسجّل موتًا فرديًا، بل تؤرخ لخذلان أمة بأكملها.المشهد الختامي – حين ينقش أبو الحكمة العبارة على صخرة – يُحوّل الفقد إلى ذاكرة حجرية أشبه بالنصب التذكاري، لتبقى الكلمات شاهدًا للأجيال المقبلة.هنا تتحقق مقولة الشويلي[7] أنّ نصوص درمشاكي “لا تستحضر الماضي للحنين وحده، بل لإدانة التاريخ إذا كان مُثقلًا بالخذلان”.3. من الفردي إلى الجمعي: دينامية الذاكرةرغم اختلاف زاوية المعالجة، تكشف القصتان عن دينامية مشتركة: الانطلاق من تفصيل شخصي أو حميمي (الأب وصورة ابنه، الشيخ والشاب الشهيد) ثم الانفتاح نحو أفق جمعي (ذاكرة جيل، مأساة أمة).وهنا تغدو الذاكرة بنية سردية أكثر منها موضوعًا؛ فهي التي تربط بين زمنين (الماضي/الحاضر) ومستويين (الفرد/الجماعة)، وتمنح النصوص كثافتها الدلالية.بهذا المدخل، يتضح أن درمشاكي يستخدم الذاكرة كوسيط لإعادة كتابة التجربة الإنسانية في أفق أوسع، ما يمهّد للانتقال إلى مدخل أدب الفقد، حيث يتجلى الحزن لا كعاطفة فردية فقط، بل كطاقة سردية تتجاوز حدود الذات نحو مأساة جمعية. ثانيًا: مدخل أدب الفقديحتلّ الفقد موقعًا محوريًا في القصة القصيرة جدًا، إذ يوفّر لها المجال الأرحب لتوليد المعنى عبر الإيحاء والاختزال.ففي نصوص حسين درمشاكي، لا يظهر الفقد بوصفه تجربة شخصية معزولة، بل يُعاد صياغته سرديًا ليصبح قيمة جمالية ورمزًا جمعيًا.هو ما اراه قد توافق مع إحدى وظائف الأدب كما يراها بول ريكور[8]، « أن الذاكرة الفردية لا تنفصل عن ذاكرة الجماعة، إذ لا نتذكر إلا ضمن شبكة من العلاقات والرموز المشتركة. ومن هنا فإن المعاناة الخاصة، حين تُروى سرديًا، تتحول من تجربة ذاتية مغلقة إلى ذاكرة قابلة للتداول تمنح معنى جديدًا للوجود، لأنها تعيد دمج الألم في أفق جماعي أوسع». 1. الفقد كجرح شخصيفي “رائحة البارود”، يظهر الفقد في صورة الأب نصر العجوز الذي يواجه غياب ابنه العسكري. هنا يبرز الحزن كـ”جرح مفتوح” تتكرّر حضوره عبر الاستدعاءات الحسية: “الصورة الباهتة”، “المفتاح الصدئ”، “الصندوق الخشبي”. هذه العناصر لا تشكّل مجرد ديكور سردي، بل هي أيقونات للفقد تذكّر القارئ بالغياب الذي يستحيل ترميمه.إن مشهد الأب وهو يحتضن صورة ابنه لا يُقرأ فقط كتجسيد لفقد شخصي، بل يتجاوز ذلك ليصبح تمثيلًا لتجربة إنسانية مشتركة عن غياب الأبناء في الحروب. 2. الفقد كصدع جمعيفي “أمة تاهت عن الحق”، ينتقل الفقد من الخاص إلى الجمعي. استشهاد الشاب سند لا يُقدَّم كخسارة فردية فحسب، بل يتحوّل إلى “صدع في جدار الأمة”، على حد تعبير النص.وصيته الأخيرة تعمل كمفتاح دلالي: فهي لا تركز على حزنه الشخصي أو ألم فراقه، بل على خذلان الأمة الذي جعل التضحية عبثًا في نظره.هنا يتجاوز النص حدود “الموت الفردي” ليمثل مأساة أوسع تتعلق بضياع الأمة عن الحق وانهيار منظومتها الأخلاقية والسياسية. 3. من الحزن إلى المقاومةيتحوّل الفقد عند درمشاكي من حالة انكسار إلى طاقة مقاومة. ففي المشهد الختامي لـ”أمة تاهت عن الحق”، حين ينقش أبو الحكمة وصية سند على الصخرة، يتحول الموت إلى ذاكرة ناطقة لا تمحوها الأيام.هذا التحويل من “الحزن إلى الفعل” يضع نصوص درمشاكي في تقاطع مع أدب المقاومة، حيث يصبح الألم حافزًا لإنتاج معنى جديد بدلًا من الغرق في الرثاء السلبي. 4. جمالية التكثيف والاقتضابيلفت النظر أنّ تمثيل الفقد في النصين لا يحتاج إلى سرد مطوّل أو توصيف عاطفي مباشر، بل يُبنى على التكثيف والمفارقة، وهي السمة الجوهرية في القصة القصيرة جدًا.إن صورة “يد الأب المرتجفة” أو “الصخرة المنقوشة” تحلّ محل صفحات طويلة من الوصف، وتعمل كرموز مفتوحة تتسع لتأويلات متعددة، بما يجعل القارئ شريكًا في إعادة إنتاج معنى الفقد. 5. الفقد كجسر نحو الذاكرة الجمعيةمن خلال هذا التوظيف المزدوج للفقد (كجرح شخصي وكصدع جمعي)، ينجح درمشاكي في بناء جسر يربط التجربة الفردية بالذاكرة الجمعية.وهنا تتضح إحدى خصوصيات مشروعه السردي: أن الحزن الفردي لا يُروى من أجل ذاته، بل ليتحوّل إلى علامة على مأساة أكبر، هي مأساة الأمة. بهذا المدخل، يتجاوز أدب درمشاكي الوظيفة العاطفية للرثاء إلى بعد نقدي وجمالي، حيث يصبح الفقد أداة لتأمل المصير الجمعي للأمة، وهو ما يهيّئ الطريق للانتقال إلى مدخل أدب الحرب والمقاومة، حيث يتجلّى البعد السياسي والأخلاقي بصورة أكثر وضوحًا. ثالثًا: مدخل أدب الحرب والمقاومةيشكّل أدب الحرب والمقاومة أحد المداخل الأساسية لفهم تجربة حسين درمشاكي السردية، إذ لا يكتفي بتسجيل المآسي أو توثيق الخراب، بل يسعى إلى توليد معنى مقاوم يعيد الاعتبار للذاكرة والهوية.وإذا كان النقد الحديث قد نظر إلى أدب الحرب باعتباره خطابًا مزدوجًا يجمع بين التوثيق والشهادة من جهة، والرمز الجمالي من جهة أخرى، فإن نصوص درمشاكي تنتمي إلى هذا الأفق المركّب، حيث تمتزج الشهادة الفردية بـصرخة الأمة. 1. الحرب كذاكرة حيّةفي نص “رائحة البارود”، لا تُقدَّم الحرب كحدث ماضٍ فحسب، بل كذاكرة لا تزال تعيش في تفاصيل اليومي. “عبق البارود العتيق” ليس استعارة شعرية مجردة، بل هو أثر باقٍ يدلّ على أنّ الحرب لم تنتهِ فعليًا، بل تستمر في تشويه الحاضر.شخصية نصر العجوز تتحول إلى شاهد تاريخي، يختزن ذاكرة أجيال من الجنود والضحايا، ليغدو النص وثيقة رمزية عن أثر الحروب في الجسد الاجتماعي. 2. المقاومة بوصفها خطابًا جمعيًافي نص “أمة تاهت عن الحق”، يتضح البعد المقاوم بصورة جلية. فوصية الشهيد سند، المنقوشة على صخرة بيد أبي الحكمة، تمثل خطابًا جمعيًا يواجه الانكسار والخذلان.هنا لا تُستحضر الحرب كحالة دفاع فردي، بل كـ”سؤال مصيري” للأمة كلها: كيف يمكن أن تستعيد الحق الذي تاهت عنه؟ وهكذا يتحول النص إلى نداء جماعي يعيد تعريف المقاومة باعتبارها فعلًا أخلاقيًا وسياسيًا قبل أن تكون فعلًا عسكريًا. 3. الرمزية في بناء خطاب المقاومةيلجأ درمشاكي إلى رمزية عالية تمنح نصوصه كثافة دلالية:في “رائحة البارود”، المفتاح الصدئ يرمز إلى بيت غائب أو وطن مفقود، ما يجعل فقد الابن يتجاوز الدلالة الفردية إلى رمز للهزيمة الجمعية. في “أمة تاهت عن الحق”، الصخرة المنقوشة تقوم بدور “الأرشيف المقاوم”، حيث تتحوّل الكلمات إلى أثر مادي باقٍ، أشبه بالنصب التذكارية التي تحفظ أسماء الشهداء. بهذا التوظيف الرمزي، لا تتحول النصوص إلى خطاباتمباشرة، بل تظل محتفظة بعمقها الفني وجماليتها، وهو ما يضعها ضمن تقاليد القصة القصيرة جدًا في اعتمادها على الإيحاء والمفارقة. 4. الحرب والمقاومة بين التوثيق والتحريضيتوزع خطاب درمشاكي بين بعدين متكاملين:بعد توثيقي: يلتقط تفاصيل الذاكرة الفردية والجمعية للحرب (صور، رائحة، أدوات، مقولات).بعد تحريضي/أخلاقي: يدعو القارئ إلى إعادة النظر في الواقع المأزوم، وإلى مقاومة حالة الخذلان والانكسار. وبذلك يلتقي نصه مع ما أشار إليه إدوارد سعيد حول دور الأدب المقاوم في “مواجهة السرديات السائدة عبر إنتاج خطاب بديل”، حيث تتحول القصة القصيرة جدًا إلى أداة لتفكيك خطاب الهزيمة وإعادة بناء الوعي. 5. جمالية التكثيف بوصفها مقاومةإن اعتماد القصة القصيرة جدًا على الاقتضاب والمفارقة يمنح خطاب المقاومة عند درمشاكي قوة إضافية: فالعبارة المقتضبة (“أمة تاهت عن الحق”) تفعل في القارئ ما لا تفعله صفحات من السرد التقليدي، إذ تحوّل المأساة إلى شعار مقاوم يمكن أن يتردد في الذاكرة الجمعية بسهولة. وهكذا تتكامل الجمالية الشكلية مع الوظيفة النضالية للنص. 6. جدلية الحرب والمقاومةتكشف النصوص أنّ الحرب لا تُروى هنا كقدر محتوم، بل كفضاء تُختبر فيه إنسانية الفرد والأمة معًا.وإذا كان الفقد يمثل الجانب المأساوي، فإن المقاومة تمثل الجانب البنائي: تحويل الألم إلى ذاكرة، والذاكرة إلى فعل.هذه الجدلية تمنح نصوص درمشاكي خصوصيتها داخل المشهد العربي الراهن، إذ تجعل من القصة القصيرة جدًا أداة لإعادة إنتاج خطاب المقاومة في زمن الانكسار. بهذا المدخل، تكتمل الفصول التحليلية الثلاثة (الذاكرة، الفقد، الحرب/المقاومة)، بما يهيئنا للانتقال إلى الخاتمة النقدية التي ستعرض نقاط القوة والضعف، ثم تجيب عن السؤال المركزي حول ما إذا كانت نصوص درمشاكي تكتفي بتكرار صورة واحدة للفقد والخذلان، أم أنها تفتح أفقًا متعدد الطبقات للذاكرة والمقاومة. رابعًا: بين “رائحة البارود” و”أمة تاهت عن الحق”: تعدد المعاني أم تكرار الفقد؟يفتح الجمع بين نصي “رائحة البارود” و”أمة تاهت عن الحق”أفقًا نقديًا مركّبًا، إذ يطرح سؤالًا محوريًا:هل يكتفي درمشاكي بإعادة إنتاج صورة واحدة للفقد والخذلان، أم أنه يقدّم من خلال النصين فضاءً متعدّد الطبقات من المعاني والتأويلات؟ 1. أوجه التشابه: وحدة الثيمةمن الواضح أنّ النصين يلتقيان في عدد من السمات الجوهرية: · الموضوع المركزي: كلاهما يدور حول ثيمة الفقد (فقد الابن/فقد الأمة).· اللغة المكثفة: الاعتماد على الاختزال والإيحاء بدل الإطناب والوصف.· البنية الرمزية: توظيف أيقونات دلالية (المفتاح الصدئ، الصخرة المنقوشة) لتكثيف المعنى.· المفارقة المأساوية: حضور الموت كعنصر حتمي يختزل المأساة. هذا التشابه قد يوحي للقراءة الأولى بنوع من التكرار، حيث يعاد تدوير نفس الدائرة: الحزن → الفقد → الانكسار. 2. أوجه الاختلاف: تعدد الطبقاتلكن القراءة المتأنية تكشف عن فروق أساسية تفتح النصين على مستويات متباينة من الدلالة: في “رائحة البارود”، يركّز النص على الذاكرة الفردية (الأب/الابن)، وينطلق من تفاصيل حسية قريبة من اليومي، فيتحول الفقد إلى مرآة لجيل من الآباء والأبناء. في “أمة تاهت عن الحق”، يتجاوز النص حدود الفرد ليطرح سؤال الأمة: الخذلان الجمعي، وضياع الحق، وغياب الوحدة. هنا يصبح الفقد الفردي (استشهاد سند) مجرد مدخل لمأساة أوسع.وبهذا المعنى، فإن النص الأول يعالج الألم الحميم، بينما يعالج الثاني الألم التاريخي/الوجودي. 3. التكامل لا التكراريمكن القول إن النصين لا يقفان عند مجرد التكرار، بل يشكّلان معًا جدلية سردية:”رائحة البارود” = الفقد الشخصي بوصفه ذاكرة حيّة.”أمة تاهت عن الحق” = الفقد الجمعي بوصفه مأزقًا تاريخيًا. بهذا التكامل، تتشكل صورة أكثر اتساعًا: من الأب المفجوع بابنه إلى الأمة المفجوعة بذاتها.أي أنّ النصين يقدمان معًا مستويين متكاملين للذاكرة والمقاومة، لا يمكن لأي منهما أن يغني عن الآخر. 4. البنية الجمالية للمقارنةمن الناحية الجمالية، يعكس النص الأول أسلوبًا أكثر حميمية ومجازية، بينما يميل النص الثاني إلى الخطابية المباشرة ذات البعد الأخلاقي.وهذا التنويع الأسلوبي نفسه يؤكد أنّ درمشاكي لا يكرر نفسه بقدر ما يوسّع فضاء تجربته السردية، جامعًا بين التعبير الشخصي والنداء الجمعي. 5. نحو نموذج سردي للذاكرة والمقاومةفي ضوء هذا التحليل، يتضح أنّ نصوص درمشاكي لا تكتفي بتمثيل الفقد في بعده التراجيدي، بل تبني من خلال التوازي بين النصين نموذجًا سرديًا يمكن قراءته على مستويين: نموذج الذاكرة الفردية: حيث يتحول الحزن الشخصي إلى وثيقة عن الحرب.نموذج الذاكرة الجمعية: حيث يتحول الفقد إلى نداء للأمة ولأجيال قادمة. وبذلك تنجح التجربة في فتح أفق متعدد المعاني، يجعل من القصة القصيرة جدًا عند درمشاكي ممارسة أدبية مقاومة قادرة على إعادة صياغة الوعي الفردي والجمعي معًا. الخاتمة النقديةتكشف المقاربة النقدية لنصي حسين بن قرين درمشاكي، “رائحة البارود” و”أمة تاهت عن الحق”، عن مشروع سردي متمايز يسعى إلى تحويل القصة القصيرة جدًا من شكل سردي مقتضب إلى فضاء لتكثيف الذاكرة والفقد** والمقاومة.لقد أبرزت المداخل الثلاثة (الذاكرة، الفقد، الحرب والمقاومة) أنّ الكاتب يتحرك في نصوصه من الخاص إلى العام، ومن الفردي إلى الجمعي، بحيث يصبح الألم الشخصي مرآة لوجع أمة بأكملها. ومن خلال القراءة المقارنة، ظهر أن النصين لا يكرران صورة واحدة للفقد، بل يشكّلان جدلية سردية بين ذاكرة فردية صامتة تتأمل الماضي، وذاكرة جمعية احتجاجية تستنهض الوعي الحاضر.هذا التوازي يكشف عن وعي جمالي وفكري يمنح النصوص قيمة مضاعفة: فهي من جهة شهادة أدبية على زمن الحرب والخذلان، ومن جهة أخرى نداء مقاوم يرفض النسيان ويطالب بكتابة الذاكرة في وجه التبديد.نقاط القوة· الاقتصاد السردي: الالتزام بسمات القصة القصيرة جدًا (التكثيف، الإيحاء، المفارقة).· تحويل الخاص إلى عام: الحزن الشخصي يتخذ بعدًا إنسانيًا وجمعيًا.· رمزية العناصر: توظيف الدوال المادية (المفتاح، الصخرة، رائحة البارود) كأيقونات للذاكرة.· البعد الأخلاقي والسياسي: النصوص تنقل القارئ من الحزن إلى المساءلة، ومن الرثاء إلى المقاومة.· التكامل الموضوعي: الجمع بين النصين ينتج رؤية بانورامية لأدب الذاكرة والمقاومة. نقاط الضعف· المباشرة الخطابية: خصوصًا في “أمة تاهت عن الحق”، حيث يطغى الطابع الوعظي على الإيحاء الفني.· غياب المفارقة الجمالية الصادمة: وهي سمة بارزة في القصة القصيرة جدًا يغيب حضورها أحيانًا.· انحصار الأصوات السردية: الاقتصار على منظور واحد (الأب/الشيخ) يقلّل من دينامية الحوارية.· هيمنة النبرة التراجيدية: الحزن يظل الطابع الغالب، على حساب تنويع الأساليب الممكنة (السخرية، المفاجأة، الرمزية العالية). خلاصةبناءً على ما سبق، يمكن القول إن تجربة درمشاكي في القصة القصيرة جدًا تقدّم إسهامًا مميزًا في أدب الحرب والمقاومة، لأنها تجمع بين الذاكرة الفردية والجماعية، وتحول الفقد من مجرد حزن إلى خطاب مقاومة يواجه النسيان والخذلان.غير أن هذه التجربة، على غناها، تحتاج إلى مزيد من الاشتغال على المفارقة الجمالية وتوسيع التعدد الصوتي، كي تتجاوز النبرة التراجيدية نحو فضاءات أكثر تنوعًا. إن القيمة النقدية لهذه النصوص لا تكمن في بعدها الفني فحسب، بل في قدرتها على طرح سؤال مفتوح:كيف يمكن للقصة القصيرة جدًا أن تتحول إلى أداة ثقافية تقاوم النسيان وتعيد للأمة وعيها المفقود؟بهذا السؤال تبقى نصوص درمشاكي شاهدة على أن الأدب ليس مجرد انعكاس للواقع، بل هو فعل مقاومة في ذاته. المصادر والمراجع مقالات فى الدوريات(1) حسين بن قرين درمشاكي. (11 أغسطس, 2025). قصة “رائحة البارود”. مجلة نور الثقافية، 970.(2) حسين بن قرين درمشاكي. (2025). قصة “أمة تاهت عن الحق”. مجلة صدى الثقافة(74). كتب مترجمة(1) بول ريكور. (2009). الذاكرة، التاريخ، النسيان. (ترجمة: جورج زيناتى،) بنغازى – ليبيا: دار الكتاب الجديد المتحدة.(2) جيرار جينيت. (1997). خطاب الحكاية، بحث في المنهج (ط2). (ترجمة: محمد معتصم، واخرين) القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة. مواقع الانترنت(1) داود سلمان الشويلي. (17 سبتمبر, 2025). توظيف الذاكرة في القصة القصيرة جدا “نصوص القاص درمشاكي الق. الق. ج. إنموذجا”. حساب داود سلمان الشويلي على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1EnDfNPLA9/(2) ماجد القيسي. (10 أغسطس, 2025). قراءة لقصة”أمة تاهت عن الحق”. حساب حسين بن قرين درمشاكي على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1JVuAox2JZ/(3) محمد عيسى محمد . (9 أغسطس, 2025). قراءة نقدية لنص قصىة (رائحة البارود). صفحة نادى القصة الجيبوتى على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/16zyjiAvxt/(1) هذه الدراسة اعدت لتقديمها فى ندوة أقلام اونلاين الجمعة 19 سبتمبر 2020(2) داود سلمان الشويلي. (17 سبتمبر, 2025). توظيف الذاكرة في القصة القصيرة جدا “نصوص القاص درمشاكي الق. الق. ج.(3) حسين بن قرين درمشاكي. (2025). قصة “أمة تاهت عن الحق”. مجلة صدى الثقافة(74).(4) داود سلمان الشويلي. (17 سبتمبر, 2025). توظيف الذاكرة في القصة القصيرة جدا “نصوص القاص درمشاكي الق. الق. ج. إنموذجا”. انظر جيرار جينيت و”الاسترجاع”جيرار جينيت. (1997). خطاب الحكاية، بحث في المنهج (ط2). (ترجمة: محمد معتصم، واخرين) القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة.(6) المرجع السابق(7) المرجع السابق(8) بول ريكور. (2009). الذاكرة، التاريخ، النسيان. (ترجمة: جورج زيناتى،) بنغازى – ليبيا: دار الكتاب الجديد المتحدة. # مجلة ايليت فوتو ارت.


