إسراء زيدان .. نساء يتكئن على أقمار وقطط تطير

تمتلئ لوحات الفنانة التشكيلية المصرية إسراء زيدان بنساء يرقصن، ويتكئن على الأقمار، ويسبحن بين النجوم، يحملن الثمار أو يمرحن مع الحيوانات. أجساد ممتلئة، غير مثالية بالمعنى الأكاديمي المعتاد، لكنها تفيض حيوية وحضوراً. لا تنتظر هؤلاء النساء أن يُفهَمن، ولا يسعين إلى رضا الناظر، إنهن ببساطة موجودات، ويفرضن وجودهن بإيقاع داخلي.

يعكس معرضها الجديد “الوطن، مرّة أُخرى”، الذي افتتح الثلاثاء الماضي في غاليري آزاد بالقاهرة، ويتواصل حتى الثلاثين من مايو/ أيار الجاري تصوّراً خاصاً عن الجمال والانسجام، تصوّراً قد يتناقض مع الصور النمطية الشائعة. اختلال النِسب، الذي تلاحظه العين ويميز أعمالها هو قرار فني يحمل رؤيتها الخاصة، ويمثل الخروج من قيود ومعايير الجمال السائدة؛ الجسد الكبير الذي يطفو في سماء لا تتّسع له، والذراع التي تمتد أبعد مما يسمح به المنطق، والتفاصيل التي تتكاثف في بعض الزوايا وتشح في أخرى، كل ذلك يبدو مثل أثر رحلة داخلية لم تترك الفنانة كما كانت.

النص المرافق للمعرض، الذي كتبه الفنان السوري إسماعيل الرفاعي، يكشف أن التحول في عمل إسراء زيدان كان نتيجة حتمية لما عاشته، من تجارب متعاقبة خلال السنوات القليلة الماضية، متمثلةً في الأمومة، والفقد، والدخول في مسار طويل ومعمّق من الشفاء.

المعرض نِتاج تجارب ثلاث؛ الأمومة والفقد والاستشفاء

هذه التجارب الثلاث، هي المحرك الحقيقي لهذا المعرض؛ فحين تصبح المرأة أمّاً، تتغير علاقتها بالجسد والوقت والمسؤولية، وحين تختبر الفقد، تتشقق الصور الجاهزة عن العالم وتُعيد تشكيلها. وحين تشرع في الشفاء، يتحول الفن من مجرّد تعبير إلى أداة، ومن مرآة إلى مرشد، لتغدو اللوحة بالنسبة للفنانة بمثابة طوق نجاة في أصعب مراحلها النفسية ورغبة في اقتناص لحظة سكينة وهدوء. ومن هنا تصبح أعمال إسراء زيدان أشبه بوثائق حيّة لمسار إنساني لم يكتمل ولا يدّعي الاكتمال، والمعرض يصف هذه الرحلة، بكل ما فيها من أسى وجمال وخوف وطمأنينة وأمل.

من المعرض (غاليري آزاد)
من المعرض (غاليري آزاد)

عنوان المعرض يفتح أسئلة أعمق مما قد يوحي به للوهلة الأولى؛ فالوطن في هذا المعرض هو إحساس، وحالة أولى يبحث عنها الإنسان في كل مرحلة من حياته. هو تلك الطمأنينة التي سبقت المسافات والخسارات، ذلك الأمان الذي كان، قبل أن نستفيق على قسوة العالم. هنا يتحول الوطن إلى تجربة داخلية قابلة للحضور في أي مكان وقابلة للغياب في أي لحظة. يمكن أن تكون في بيتك وتشعر بالغربة، ويمكن أن تكون في أقصى المنافي وتُقيم وطنك في داخلك، والفارق في تلك الصلة بالنفس، تلك القدرة على الإصغاء إلى الإيقاع الداخلي حتى في العتمة.

في بعض اللوحات ثمة طابع حكائي متخيل، فهنا قطط تطير، وأقمار تتكئ عليها النساء، وحمائم بيضاء تتناثر في الفضاء، وثمار بطيخ ينشقّ عن احمرار داخلي. إلى جانب هذا كله، هناك صوت لكل لوحة، لا نسمعه لكننا نشعر به. الصوت هنا يمثل جانباً من عالم الفنانة المتخيل كما تقول، هو جزء مهم من تكوينها وشعورها بتفاصيلها.

******
المصادر
العربي الجديد
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم