أمي فضلت تطبخ لراجل مشرد عايش ورا بيتنا لمدة 20 سنة — تاني يوم بعد جنازتها، مسك إيدي بين إيديه وقال لي: “قبل ما تموت، تـرجـتـني إني أسكت”.
كل يوم وقت الغدا، أمي كانت بتجهز تلات وجبات.
وجباتنا كانت بتفضل على ترابيزة المطبخ المقشرة.
أما وجبة فيكتور فكانت بتتحط في أي علبة أكل جاهز متبقية عندنا. الراجل ده كان عايش في عشة بناها ورا بيتنا الإيجار، وأنا كنت بكرهه بسبب الموضوع ده.
مش عشان هو مشرد، ما احنا كمان كنا فقرا — كوتشيَّه كان ملزوق ببلاستر عشان يداري القطوع اللي فيه، والكهربا قطعت عننا مرتين في الشتاء ده. بس أمي كانت بتتعامل مع جوعه كأنه أهم من جوعي أنا.
في مرة اتعصبت وقلت لها: “يمكن لو بطلتي تأكلي الغربا، مكانش ده هيبقى حالنا”.
أمي اتجننت وثارت فيا:
”إياك.. إياك تتجرأ وتقول كده تاني أبداً”.
الsingle مرت السنين، وأنا عزلْت. خناقاتي أنا وأمي قلت، وغالباً ده عشان أنا بطلت أسأل أسئلة. بس فيكتور فضل عايش ورا بيتنا.
بعد كده هي تعبت.
السرطان خلاها كشّت وصغرت.. وبقت هادية.
قبل ما تموت بأسبوعين، مسكت معصم إيدي وهمست لي: “اوعدني إنك هتفضل تأكل فيكتور”.
كنت عايز أقول لأ، بس مكنتش قادر أكدب عليها.
عشان كده، تاني يوم بعد جنازتها، عملت لفيكتور أحسن وجبة أقدر عليها، وسوقت لحد بيت أمي.
بس فيكتور مكانش هناك.
بدل منه، كانت فيه عربية دافع رباعي سودا واقفة جنب الرصيف.
وجنبها كان واقف راجل لابس بالطو غالي، حالق دقنه على الآخر، وماسك في إيده دلاية أمي الفضة القديمة.. الدلاية اللي كانت بتقول إنها ضاعت منها وأنا عندي تمن سنين.
قال وعينيه بتملى بالدموع: “كنت فاكرك مش هتيجي”.
سألته وأنا مصدوم: “فيكتور؟”.
ابتسم، بس ابتسامته كانت مهزوزة.
قلت وقلبي عمال يدق في صدري زي الشاكوش: “أنا جبت العشا.. بس يا فيكتور، هو إيه اللي بيحصل هنا؟”.
عينه جت في عيني.
وقال: “أمك خبت عنك حاجة.. قبل ما تموت، تـرجـتـني إني أسكت”.
دمي اتجمد في عروقي.
وهمست: “خبت إيه؟”
يتبع


