ريم علي امرأةٌ واجهت العاصفة وحدها فصار الغياب جزءاً من أسطورتها
في الدراما السورية أسماءٌ صنعت الشهرة، وأسماءٌ صنعت الضجيج، لكن ريم علي اختارت ان تصنع العلامة المميزة والاكثر بقاءً وأثراً …!
صنعت المعنى. فمنذ تخرجها من المعهد العالي للفنون المسرحية مطلع الألفية، لم تدخل الفن كنجمة تبحث عن الضوء، بل كامرأة تحمل هشاشة الإنسان السوري وقلقه وأسئلته الثقيلة إلى الشاشة. كانت ملامحها الهادئة تخفي طاقة انفجار داخلية، لذلك لم تكن أدوارها تمرّ كأداء تمثيلي عابر، بل كجرحٍ مفتوح يمشي أمام الكاميرا. من هيام إلى نزار قباني ورسائل الحب والحرب وقمر بني شام وأهل الغرام وصدق وعده، كانت تتحرك داخل الشخصيات كما لو أنها تنقّب عن الحقيقة لا عن النجاح.
ثم جاءت السنوات السورية الثقيلة، تلك التي سقطت فيها الأقنعة وارتفعت كلفة الكلمة، فاختارت ريم علي أن تدفع الثمن كاملاً بلا مساومة. وقفت إلى جانب الإنسان السوري علناً، ورفضت أن تحوّل الفن إلى صمتٍ أنيق فوق الخراب، فكان العقاب طويلاً وبارداً ومقصوداً؛ أربعة عشر عاماً من الإبعاد شبه الكامل عن الدراما، وكأن الشاشة قررت الانتقام من امرأة قالت ما لا يجب قوله. لكنها لم تتراجع، لم تعتذر، لم تغيّر لغتها كي تعود إلى الضوء، بل حملت منفاها ومشت. من دمشق إلى بيروت، ومن القاهرة إلى باريس، كانت تعيش المنفى كفنانة اقتُلعت من ذاكرتها، لا كنجمة تبحث عن فرصة جديدة.
عندما عادت عبر شخصية “صوفيا” في ابتسم أيها الجنرال أمام مكسيم خليل، لم تبدُ كممثلة تعود إلى الشاشة، بل كامرأة تقتحم جدار الصمت بوجهٍ يحمل تعب السنوات كلها. كان حضورها أشبه بصفعة فنية هادئة؛ أداء لا يعتمد على الانفعال، بل على النار المختبئة تحت الرماد. لذلك شعر كثيرون أن ريم علي لم تعد بدورٍ تمثيلي فقط، بل عادت كذاكرة سورية كاملة تمشي فوق الركام.
ولأنها لم تكن ابنة الدراما وحدها، اتجهت إلى السينما الوثائقية، مؤمنة بأن الكاميرا ليست أداة ترفيه بل وسيلة شهادة. درست صناعة الأفلام الوثائقية في الأردن، وأخرجت أعمالاً حاولت عبرها التقاط الإنسان المهمل خلف الأخبار والعناوين، مؤكدة أن الفن الحقيقي لا يكتفي بتجميل الواقع، بل يعرّيه أيضاً. وحتى في أكثر لحظات غيابها قسوة، بقي اسمها حيّاً لأن الجمهور لم يرَ فيها ممثلة فقط، بل امرأة دفعت حياتها المهنية ثمناً كي لا تخون قناعاتها.
وحين عادت أخيراً إلى سوريا والتقت بوالدتها بعد أكثر من عقد من الغياب، بدا المشهد أكبر من لقاء عائلي؛ كان أشبه بعودة روحٍ أنهكتها المنافي إلى بيتها الأول. لحظة اختلط فيها الحنين بالخسارات، والدموع بسنوات الصمت الطويلة. هناك فقط بدا واضحاً أن ريم علي لم تكن تخوض معركة شهرة، بل معركة كرامة شخصية وفنية وإنسانية. ولهذا تحديداً، بقيت مختلفة عن الجميع: لأن بعض الفنانين يمثلون الألم… بينما آخرون يعيشونه فعلاً.


